الثلاثاء 13 يناير 2026 الساعة 01:36 م

مقالات وآراء

واشتعلت المعركة «03/26»

حجم الخط
أيمن دلول

وخلال ساعات المساء، وبينما كنتُ أقلب في القنوات الفضائية وأقوم بمتابعة وسائل الإعلام المختلفة، استوقفتني شاشة إحدى الفضائيات وقد ومض اللون الأحمر أسفل شاشتها وبدأت تنقل مؤتمر صحفي لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” وكان الخبر الذي جاء بخلفية حمراء نصه “إسرائيل تُعلن الحرب على غزة وتُطلق عليها اسم الجرف الصامد”. على الفور أرسلت رسالة للمراسلين قلت فيها “عاجل: جيش الاحتلال يعلن الآن عن قراره تنفيذ عملية عسكرية ضد قطاع غزة ويطلق عليها اسم (الجرف الصامد)”.1

 

وبعد وقت قليل على إعلان الحرب الإسرائيلية على غزة بدأت الآلة الإعلامية العبرية بالهجوم من خلال بث رسائل حرب نفسية على مواطني قطاع غزة، في محاولة منها لكسر الروح المعنوية للمواطن الفلسطيني قبل شن أي عدوان عسكري، وهو ما قررنا مواجهته رغم قلة الإمكانيات المتوفرة عندنا، فبدأت الرسائل الإعلامية الداعية للثبات والصمود تخرج عبر أثير الإذاعة التي نعمل فيها كونها بشكل خاص يقع نطاق تغطيتها على الجانب المحلي. وبالتوازي مع هذه الحرب النفسية بدأت الآلة العسكرية الإسرائيلية هجوماً كاسحاً وكبيراً على المواقع الأمنية والتابعة للمقاومة الفلسطينية والأراضي الزراعية والبيوت والمنشآت في محاولة منها لخلق كي وعي للمواطن الفلسطيني وتحذير المقاومة الفلسطينية من إمكانية الرد على جرائم الاحتلال، كون الثمن سيكون أكبر.

 

استقبلت المقاومة الفلسطينية رسالة الاحتلال الإسرائيلي بأعصاب باردة، وبحنكة عسكرية لم تتقنها الجيوش العربية المجهزة والمدربة، فلم يزعزع شجاعتها وثباتها الإعلان الإسرائيلي في اليوم الأول باستدعاء 40 ألف جندي احتياط أو ارتكاب الجرائم في صفوف المدنيين، حيث كانت الجريمة الأولى في هذه الحرب بمحافظة خانيونس وأوقعت أحد عشر شهيداً من المدنيين.

 

ومع ساعات صباح يوم الثلاثاء الثامن شهر يوليو أطلقت سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي نحو 60 صاروخاً تجاه المدن الإسرائيلية في عملية أطلقت عليها اسم “البنيان المرصوص”، بينما كان الجمهور الفلسطيني على موعد مع أول بيان لكتائب القسام في ذلك اليوم كان أبرز ما جاء فيه أن “قصف البيوت الآمنة خط أحمر.. وإذا لم تتوقف هذه السياسة سنرد عليها بتوسيع دائرة استهدافنا بما لا يتوقعه العدو”.

 

حتى ما بعد إصدار البيان لم يتوقع الصحفي الفلسطيني أن هذا البيان سيأتي بشكل جديد، فإمكانيات المقاومة الفلسطينية يقول العقل البشري أنها متواضعة في ظل حصار مُطبق عليها من مختلف الأطراف، ومهما كانت إمكانياتها فإنتاجها محلي، ولن يكون بموازاة الإمكانيات المتوفرة لدى الاحتلال الإسرائيلي، غير أن هذا التفكير لدى الصحفيين أوقفه إعلان من القسام جاء على هواتفهم النقالة مفاده “إعلان القسام عن استهداف مروحية إسرائيلية في خانيونس بصاروخ أرض جو”، وإعلانها بإطلاق عشرات الصواريخ صوب الأراضي المحتلة، تخطى بعضها مدة الـ 35 كيلو متر في سابقة لم نعهدها من قبل.

 

وفي عصر ذلك اليوم، وبينما لم أجد فسحةً للراحة، فالانتهاء من قصف كان يستهدف غزة يعني البدء بتغطية آثار قصف آخر، وفي غمرة متابعة معاناة المواطنين، لم يغب عن بالنا رصد إنجازات المقاومة الفلسطينية، وما أجمله من إنجاز حينما تتناقل وسائل الإعلام العبرية خبر تسلل مجموعة من كتائب القسام لقاعدة زيكيم العسكرية القريبة من عسقلان عبر البحر والاشتباك مع جنود الاحتلال، فهذا خبرٌ أدخل السعادة في صفوف المواطن الغزي ودفعه لترك كل الروايات والأخبار العبرية والتركيز على رواية المقاومة الفلسطينية التي أثبتت مصداقيتها وثقتها العالية لدى المواطن الفلسطيني والعربي، بل والإسرائيلي.

 

بشريات كبيرة حملتها البلاغات العسكرية في ذلك اليوم، في مشهد لفت الأنظار ودفع المشككين بإمكانية انتصار المقاومة الفلسطينية على “الجيش الذي لا يُقهر” بإعادة صياغة أفكارهم التي تحطمت، فما هي إلا لحظات وتُعلن كتائب القسام عن تفجيرها نفقا أسفل موقع كرم أبو سالم شرق مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وتؤكد وصول صواريخها من طراز “فجر 5” إلى مطار بن غوريون في “تل أبيب”، وتقصف مدينة حيفا الواقعة شمال تل أبيب لأول مرة بصاروخ “آر 160”.

 

وخلال ساعات المساء، كان الفخر بإنجازات المقاومة الفلسطينية بلغ مبلغه لدى الإعلاميين والصحفيين الفلسطينيين الذين نقلوا معالم المعاناة والظلم الذي يتعرض له المدنيون الفلسطينيون بفعل إجرام الاحتلال الإسرائيلي، حتى بدأ بعضهم حديثه عن توقعات بمفاجآت أخرى، وهو توقع لم يطل انتظاره، فوسائل الإعلام العبرية نقلت طلباً لما يسمى بـ” الجبهة الإسرائيلية الداخلية” يُعلن فتح الملاجئ أمام الإسرائيليين في مدن القدس وسط “إسرائيل” التي تعرف باسم “غوش دان”، في خطوة انتظرها العرب منذ عقود من الزمن، وتحققت على أيدي المقاومة الفلسطينية وليس بواسطة الجيوش العربية النظامية والمدربة.

 

وأذكرُ أنه وخلال صلاة التراويح في ذلك اليوم، وفي الوقت الذي كانت تنطلق العديد من صواريخ المقاومة الفلسطينية صوب المدن الفلسطينية المحتلة، اتصل بي أحد الفلسطينيين المقدسيين خلال صلاته في المسجد الأقصى وقد ارتفعت أصوات التكبير من حوله للمصلين الذين تركوا صلاة التراويح قليلاً لمشاهدة صواريخ المقاومة الفلسطينية تمرُ من فوقهم في طريقها للمدن والمستوطنات الإسرائيلية، حينها دمعت عيوني فرحاً وإدراكاً بإمكانية النصر القريب على أعتى قوة عسكرية في المشرق العربي.