الخميس 15 يناير 2026 الساعة 08:11 م

مقالات وآراء

محمد القيق.. خطواتٌ واثقة نحو تدويل القضية

حجم الخط
أيمن دلول

سؤالٌ كبيرٌ يجول في خاطر كل مواطن فلسطيني أو مُتابع للقضية الفلسطينية وربما لدى صُناع القرار داخل الكيان الإسرائيلي، عن السبب الذي يدفع صحفي فلسطيني لمواصلة إضرابه المفتوح عن الطعام داخل سجون الاحتلال لفترات لم تُسجل عبر موسوعة جينتس للأرقام القياسية كأول صحفي يصل لأكثر من سبعين يوماً مُضرباً ويرفض أي حلول لا تكون نتيجتها الإفراج الفوري عنه.IMG-20160206-WA0026

 

السؤال الذي يدور في عقول البشر يتمحور حول كون هذا الإضراب سبب المعاناة الكبيرة للزميل محمد القيق وعائلته والمحيطين به، بل وجعل الأحرار في كل أرجاء العالم يضعون أيديهم على قلوبهم خشية فقدان الزميل “محمد” حياته مُضرباً دون أن ترضخ قوات الاحتلال لمطالبه العادلة بالإفراج غير المشروط، أو أنهم يخشون كسر ذلك الصحفي العنيد إضرابه دون تحقيق مطلبه، وبذلك سيكون أول من يوجه صفعةً للأسرى بمنح الاحتلال رخصةً بإمكانية التنصل من التزاماته تجاههم فيما يتعلق بمنجزاتهم التي حققوها خلال سنوات ماضية من دماءهم وسنين عمرهم.

 

بإمكان محمد القيق كسر إضرابه عن الطعام داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي والعيش على أمل إفراج قوات الاحتلال عنه عقب انهاء فترة اعتقاله الإداري المخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية والمدافعة عن حقوق الإنسان، وهو بذلك يقوم بخطوة تعتمد على حُسن النوايا من قبل قوات الاحتلال التي لم يعهد عليها الشعب الفلسطيني إلا كسر ومخالفة العهود والمواثيق، وإن استجابت قوات الاحتلال وأفرجت عنه فسيرجع “محمد” لعائلته كحال الكثير من الفلسطينيين، وحينها سينعم بحضن دافئ يجمعه بأطفاله “إسلام و “لور” وصحبة طيبة مع زوجته الزميلة الصحفية والمكافحة “فيحاء شلش”، غير أنه بهذا الخيار سيعيش حياةً شخص عادي وغير مؤثر يفضلها الكثير من الناس.

 

محمد القيق أيها السادة يختلف عن باقي الناس بطبيعة تفكيره ونظرته لخدمة القضية الفلسطينية، فهو شاب مثقف ومتبحر بالفكر والقراءة وخدمة أبناء شعبه، وفي سبيل تحقيق الأفكار التي يؤمن بها تهون عليه آلام الجوع والحرمان الناتجة عن إضرابه عن الطعام، في سبيل تحقيق غاية أسمى من تناول الطعام الذي بالمناسبة يُعتبر “محمد” من المولعين به.

 

إن “محمد” باعتقاله يا سادة أراد أن يكون وقوداً يشعلُ النار تحت أرجل الاحتلال الإسرائيلي، وهو في الحقيقة ينتظر الموت في أي لحظة بعدما فقدت أعضاء جسمه وظائفها الواحد تلو الآخر، ينتظر الزائر الذي يفرُ منه كل واحد منا بكل صدر مُنشرح، ولا يُعلن الهزيمة أمامه تحت ضغط مخابرات الاحتلال أو المشككين بجدوى إضرابه.

 

صحيحٌ أن قرار الإضراب الذي اتخذه الزميل “القيق” لم يكن بالتوافق مع قيادة الأسرى داخل السجون ليحقق الجدوى منه، والخشية من استفراد إدارة سجون الاحتلال به، إلا أن تفكيره قد يكون هداه إلى أن الفرد الواحد بفعله القوي قد يفوق مجتمعاً كاملاً، ودليله في ذلك قول الله تعالى في حق نبيه إبراهيم عليه السلام “إن إبراهيم كان أمة..”.

 

إن “القيق” من وراء إضرابه أراد إعادة تدويل القضية الفلسطينية التي تاهت على قارعة طريق المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، وهو تدويل يسعى من خلاله إلى نقل جرائم ترتكبها “إسرائيل” إلى مختلف العواصم الإسلامية والأوروبية بهدف ايصال الحقيقة الدامغة لتلك الشعوب بحقيقة العدو الإسرائيلي الذي يدعي باستمرار الحفاظ على حقوق الإنسان واحترام الديمقراطية.

 

لقد نجح الصحفي محمد القيق في تعريف العالم أجمع بعد أكثر من سبعين يوماً لإضرابه المتواصل عن الطعام بوجود معتقلين فلسطينيين داخل سجون الاحتلال يعانون على مدار الساعة دون أن يسمع استغاثتهم أحدٌ من الناس، بل إن من بينهم العشرات الذين يتم احتجازهم ضمن ملفات الاعتقال الإداري المخالف لكل القوانين الدولية. وعلى الجانب الآخر فقد نجح “محمد” أن يوصل صوت أكثر من سبعة عشر صحفياً فلسطينياً تحتجزهم “إسرائيل” داخل سجونها على خلفية عملهم الصحفي.

 

يُدرك “محمد القيق” جيداً المخاطر التي ستنعكس على صحته حال استمرار إضرابه هذا إن “بقي على قيد الحياة كما نسأل الله ونتمنى”، غير أنه يؤمن بأن الشمعة لا يمكن أن تُضيء الطريق إلى الآخرين إلا إن حرقت نفسها، ففناء ذاته سيمكن الآخرين من عبور الطريق إلى مبتغاهم، وهذا ما يرنو إليه تماماً: إن قضى شهيداً فسوف يكون قد أضاء الطريق لأبناء شعبه بدلاً من استمرار تحسسها وسط ظلام دامس، وإن كتب الله له الحرية فسيجد بانتظاره الآلاف يحملونه على الأكتاف في زفة بطلٍ لم تشهد شوارع فلسطين مثلها خلال وقت سابق.