يوم الجمعة الماضي هاجت وماجت عائلة الفتى مصطفى ياسر سدر صاحب الخمسة عشر عاماً من محافظة الخليل بالضفة الغربية المحتلة، وسيطر القلق على مشاعرها وأربك حساباتها، فابنها ذهب لصلاة الجمعة ولم يعد إلى البيت، ولم تتكشف تفاصيل الحادثة إلا مع ساعات المساء، وهي حقيقةٌ لم تكن مفاجئة للعائلة، وإن كانت أعادت التأكيد لها على الدور الذي تلعبه الأجهزة الأمنية في الأراضي الفلسطينية.مصطفى سدر
بينما كانت العائلة منشغلة في البحث عن ابنها جاءها الخبر اليقين بأنه مشبوح داخل مقر المخابرات الفلسطينية بمحافظة الخليل ويتعرض للضرب الشديد والإهانة بأقذر أشكالها وصورها، وهو تصرفٌ دفع الكثيرين للبحث عن السبب الذي دفع تلك الأجهزة لاختطاف هذا الفتى بعد عودته من صلاة الجمعة.
قصةٌ أخرى طوتها الذاكرة الفلسطينية التي دونت في سجلها الأسود بأن مخابرات الخليل اختطفت الفتى “سدر” بعد وقت قليل على مشاركته في مسيرة تضامنية مع الزميل الصحفي محمد القيق المَضرب عن الطعام لأكثر من شهرين بشكل متواصل.
تسلل الوهم قليلاً إلى عقل الفتى “مصطفى” واعتقد للوهلة الأولى أن السلطة الفلسطينية قد صححت من مسارها في خيانة أبناء شعبها بتواصل تنسيقها مع الاحتلال الصهيوني، وهذا ما ذهب إليه وهو يُتابع التصريحات المختلفة لقيادة السلطة وتأكيدها متابعة إضراب “القيق” والتحرك لوقفه بالإفراج عنه، وبناءً على ذلك فقد قرر المشاركة في مسيرة تضامنية مع عائلة صحفي رفض الخنوع للعدو الصهيوني وإن كلفه ذلك حياته ومعاناة عائلته على فقدانه للأبد.
معذرة بُني فقد أخطأت بتقدير الموقف وكان عليك أن تدرك بأن التصريحات الصادرة عن السلطة الفلسطينية بشأن الصحفي “القيق” ليست أكثر من طحن للهواء، ولا فعل أو تنفيذ حقيقي لما تحتويه تلك التصريحات على أرض الواقع، وكان يجب أن تتذكر يا عزيزي بأن الأسير الصحفي محمد القيق قد اعتقلته الأجهزة الأمنية الفلسطينية في أوقات سابقة، فكيف لها تقوم بالضغط للإفراج عنه.
من واقع متابع لما يجري بشأن التفاعل مع قضية “القيق” التي تحولت إلى قضية شعب وقضية ولا تنحصر بشخص واحد، تقول الحقائق التي نجزم بها أن السلطة والحكومة الفلسطينية لم تفعل أدنى جهدٍ لها في الضغط على الاحتلال للإفراج عنه من سجونه ووقف معاناة عائلته التي لا يعرف النوم لجفونها سبيلا، فالقنصليات والسفارات الفلسطينية لم تتحرك وإن أشغلوا وسائل الإعلام بأخبار هنا وهناك عن متابعة قضية “القيق” عبر مكاتب السلطة الفلسطينية التي تُعد بالعشرات.
إن قضية “القيق” أيها السادة تُشبه إلى حدٍ كبير قضية أسرانا الذين غيبتهم الاتفاقيات المُذلة التي وقعتها السلطة الفلسطينية مع الكيان الإسرائيلي ونسيت بموجبها أي مُطالبة للإفراج عن أسرانا الأبطال، بل تركتهم يواجهون النوايا “الطيبة” لسلطات الاحتلال!!.
لو أن السلطة الفلسطينية كانت معنية بقضية الصحفي الفلسطيني لنشرت صوره على مفترقات الطرق في الضفة وكافة أماكن الشتات الفلسطيني، وكان أقل القليل أن تقوم بتخصيص المساحات الواسعة في وسائل إعلام الحكومة الفلسطينية للحديث عن معاناته وتعريف الناس بقضيته، كما أن الرئاسة الفلسطينية التي جعلت من مقرها مزاراً شبه يومي لأسر القتلى الإسرائيليين الذين يحتلون الأرض الفلسطينية ويغتصبون الديار غابت عنها قضية “القيق” فلم تخصص وقتاً له كما لم تفعل لعائلات الأسرى لتسمع لهم وتخبرهم بجهودها للإفراج عنهم، فكيف ستقنع السلطة الفلسطينية الجمهور الفلسطيني بأنها تعمل لمصلحة أبنائها ومنهم الصحفي القيق.
اطمئنوا أيها السادة فالمعادلة واضحة: إن أي سُلطة تعتقل من يتضامن مع الأسرى القابعين بسجون الاحتلال الإسرائيلي وتعذيبهم لتضامنهم معهم لن تكون صادقة في قولها أنها تقوم بالجهود المختلفة للإفراج عن الزميل محمد القيق، وهذا أمر لا يضير “القيق” أو غيره فقضية الزميل الصحفي المضرب في سجون الاحتلال انتشرت ووصلت إلى كل أرجاء العالم، وهو جهد صنعه الشرفاء من أبناء الشعب الفلسطيني، ويبدو أن السلطة الفلسطينية تُصر ألا يُضاف إلى سجلها إلا كل شيء يُطيل أمد الاحتلال الإسرائيلي على حساب أبناء الشعب الفلسطيني.


