الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 03:26 ص

مقالات وآراء

المقاومة.. ولعبة الأمم

حجم الخط
د.يوسف رزقة

كان مقالنا بالأمس عن (سوريا.. ولعبة الأمم)، كما شرحت تفاصيل اللعبة ثلاثة كتب شهيرة هي: (لعبة الأمم، و أحجار على رقعة الشطرنج، و بروتوكولات حكماء صهيون)، وقلنا إننا لسنا في حاجة لهذه الكتب وما بها من معلومات، وما يدور حولها من جدل على نفوذ الصهيونية العالمية بين المصدقين والمكذبين، لأن المشهد في سوريا يدلنا على هذا النفوذ الطاغي دلالة معايشة وعيان، ويدلنا على أن لعبة الأمم الكبيرة ليست شيئا من الماضي المنتهي، بل هي من الحاضر الدائم المتصل بالمستقبل.. اللعبة قذرة ؟!.

 

لم نتحدث في مقال الأمس بعد تشخيص الحالة ورسم المشهد من خلال لعبة مؤتمر فيينا بقيادة ديمستورا عن الحلول الممكنة، لأن المساحة المكانية في الجريدة لا تكفي، لذا نحاول أن نصل مقال الأمس برفيقه في مساحة اليوم، ونقول إن النظام العربي شخص مرض الأمة العربية بعد ١٩٤٨م بوجود (إسرائيل) خنجرا في ظهرها، وأن الخلاص من المرض يكون بنزع الخنجر من مكانه وتحرير فلسطين، وقد أصابوا في ذلك كبد الحقيقة، وساروا نحوها نظريا من خلال الطريق المستقيم، الذي هو أقصر الطرق للحقيقة عادة.

 

الطريق المستقيم كان فكرة نظرية لا أكثر ولا أقل، فلم يسلك أحد منهم الطريق المستقيم منذ النكبة وحتى يومنا هذا، وتلك حقيقة لا يتنازع فيها عاقلان، ولا ينتطح فيها عنزان، غير أن بعض الجهلة لهم عقول أدنى من عقل النعزة، ومثلهم كمثل النمرود حين قال لإبراهيم أنا أحيي وأميت، فأهمل إبراهيم قضية الحياة والموت الملتبسة في المشهد، وقال له: "إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، فبُهت الذي كفر". أي لم يحرر جوابا، ولهؤلاء الجهلة نقول: هاتوا برهانكم أن قضيتنا تتقدم ؟! منذ نكبة فلسطين في عام ١٩٤٨م وحتى يومنا هذا، وقضيتنا الفلسطينية تتراجع إلى الأسوأ، بينما تتقدم دولة العدو يوميا، حتى باتت صاحبة القرار لا في المنطقة العربية بل في المناطق الإقليمية، وفرضت على قادة النظام العربي التصالح معها، واحترام مصالحها، لأنها تستطيع العبث في كل عواصمهم، بل وقصورهم. ومن يستغرب عليه قولنا عليه دراسة دور (إسرائيل) في العراق، وسوريا، ومصر، ولبنان، والإمارات، وتركيا، وكردستان، وخلافها.

 

كان الطريق المستقيم يقتضي العمل بمبدأ مقاومة احتلال فلسطين بشكل مباشر في اليوم التالي لاحتلال فلسطين، ووقف تدفق المهاجرين، ومنع تمدد دولة العدو، ولكن النظام العربي سلك الطريق المعوج وادعى أنه الطريق الأسلم، وخلاصته: بناء الجيوش العربية، وتحقيق النهضة، وتوحيد العرب، بعد توقيع الهدنة مع المحتل، وبعدها ستحرر الجيوش فلسطين. ولكن النظام العربي فشل في الملفات الثلاثة فشلا ذريعا، وكانت دولة العدو أحد أسباب هذا الفشل، وإن لم تكن هي السبب الرئيس.

 

الخلاصة، فقد أطلنا في المقدمات، أدرك الشعب الفلسطيني بعد الفشل العربي أن الحل لا يكون إلا بالمقاومة، فوضع قدمه على الطريق المستقيم فترة، ولكن قدم المقاومة زالت لاحقا، وتمكن النظام العربي من تدجينها حتى حملها معه إلى مدريد ثم أوسلو، ثم حلّ الدولتين. ولكن جزءا من مقاومة الشعب الفلسطيني ظلت متمسكة بالطريق المستقيم، وما زالت ثابتة عليه، ولكنها تعاني من خنجر الأنظمة في الظهر وخنجر العدو في الصدر. ولو تأمل النظام العربي حاله هو والتي وصل إليها في سوريا والعراق ومصر والخليج لأدرك أنه لا أحد يدافع عن عواصمه وعن بلاده دفاعا حقيقيا مستقيما غير المقاومة الفلسطينية. إنه لا حلّ لطغيان لعبة الأمم في البلاد العربية منفردة ومجتمعة إلا من خلال المقاومة الفلسطينية. المقاومة الفلسطينية هي التي تضرب في كبد لعبة الأمم، وهي القادرة على وقف عبث دولة العدو في العواصم العربية. المشكلة أن النظام العربي لا يتفهم جيدا أهمية المقاومة الفلسطينية له، كما لم يتفهم النمرود أهمية دعوة إبراهيم عليه السلام . مصالحة النظام العربي مع المقاومة لا مع إسرائيل. ولا نظام عربي جيد قبل تحرير فلسطين. الحلّ لا يحتاج جيوشا، ولا نهضة، ولا وحدة عربية، يحتاج فقط إلى مقاومة بلا خنجر في ظهرها.