الخميس 15 يناير 2026 الساعة 08:15 م

مقالات وآراء

ماذا بعد عقدٍ على حصار غزة؟

حجم الخط
أيمن دلول

عقدٌ كامل من الزمان بالتمام والكمال مضى على حصار حوالي مليوني إنسان في قطاع غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلي وجمهورية مصر العربية، رحل ذلك العقد وطوى تحت ترابه جثامين المئات من المرضى الذين لم تشفع لهم القوانين والأنظمة الدولية المتشبثة بـ”الديمقراطية وحقوق الإنسان” للسفر بهدف الحصول على العلاج اللازم.1

 

عشرُ أعوام من الحصار هي الأطول في تاريخ البشرية، وربما هي الفترة الأطول التي شهدت مناشدات ومطالبات لدول العالم للتدخل بهدف كسر حلقات أحاطت بشريط غزة الساحلي، غير أن المناشدات خرجت فلم تلقَ استجابة لها، وعليه فيجب الاستفادة من تجربة مواجهة هذه النذالة الدولية بأساليب جديدة مع افتتاح الفلسطينيين بقطاع غزة عام جديد من أعوام الحصار.

 

إننا لا نحتاج بعد دخولنا عام جديد من الحصار لمناشدة الأمم المتحدة العوراء أو الأشقاء العرب الذين طبقوا بجدارة أجندة الاحتلال الإسرائيلي بقتلنا، فتوجيه البوصلة لهم تحرفنا عن النبش بأظافرنا في صخر المعاناة لإيجاد الماء العذب الفرات الذي يروي عطشنا بينما تاهت قافلتنا وسط صحراء الحصار القاحلة. وحتى لا أطيل بالسرد، فإني أضع الحديث ضمن نقاط لتعزيز ما أطرحه:

 

صناعة القدوة: أخبرتنا نماذج التاريخ بأن أفضل طريقة في أجواء الحصار والمعاناة أن يكون القائد والمسئول بذات الخندق مع الرعية، فإن جاعوا كان القائد أول من يجوع وإن أكلوا السمن والعسل كان هو آخرهم، وهذا يُفشل محاولات الاحتلال الإسرائيلي لاختراقه الصف الفلسطيني بخلق فئه قادة فلسطينيين لا تشعر بشريحة المواطنين.

اختيار الوسائل: في الكثير من نماذج التاريخ المتعلقة بمواجهة أي بلد لحصار الأعداء كانت المواجهة العسكرية هي أبرز خطوات كسر الحصار، لكن ولوضعنا الفلسطيني الداخلي فيجب وضع الخيارات على طاولة البحث والنقاش من الكل الفلسطيني لاختيار أمثلها وربما أكثر من أسلوب في آن واحد، وهذا يكون بعد الدراسة الدقيقة والمعمقة التي يقوم بها أهل الاختصاص.

حصان طراودة الفلسطيني: يجب أن يكون لنا كفلسطينيين حصان طراودة نقوم من خلاله بالخدع والحيل المختلفة في محاولة للالتفاف على هذا الحصار الظالم، وأعتقد بأننا يجب أن نتحرك بالتوازي مع أحاديثنا الإعلامية عن آثار الحصار ونتائجه بأساليب عملية ميدانية سأذكر بعضها خلال مقالي هذا.

يجب أن نكون متيقنين أيها السادة بأن القانون الدولي والأنظمة والمؤسسات الدولية سواء كانت عربية أو أوربية لن تكسر حصارنا، وإن كانت اللافتات التي ترفعها وتملأ الدنيا صراخاً لها تتحدث عن البشر وحقوقهم، فهذه المؤسسات لم توجد إلا لحماية الأقوياء، وحينما نصل لهذه الدرجة، ستُسابق هذه الأنظمة بعضها البعض في تقبيل أحذيتنا، أما إن بقيت “إسرائيل” التي تحتل تراب بلادنا هي الأقوى، فمصلحة تلك المؤسسات لدى الاحتلال الإسرائيلي، وليس من يحاصرهم ويُمنع عنهم الغذاء والدواء.

 

نحن وللخروج من عنق الزجاجة بحاجة لخطوات مختلفة تتمثل في التالي:

 

الإعلان عن توزيع أراضي حكومية لمشاريع إنتاج زراعي وحيواني بأسعار مناسبة ومخفضة وبخاصة لشريحة الخريجين العاطلين عن العمل، على أن يكون تسديد أقساطها بعد عام على استلامها.

تحديد حاجة المجتمع من المنتجات الزراعية المختلفة لإنتاجها وتوزيع تفاصيل ذلك على أصحاب تلك المشاريع لزراعة الكميات المطلوبة لسد حاجة البلد.

منع استيراد أي منتج يتم زراعته وانتاجه في قطاع غزة بالمطلق وتعزيز تعامل المواطن الفلسطيني مع المنتج المحلي.

تعزيز إنشاء مشاريع صغيرة وبخاصة تلك المشاريع التي تعتمد على الانتاج الزراعي للمنتجات التي يجري زراعتها في أراضي قطاع غزة، وإنشاء مؤسسات حكومية للأقساط الميسرة.

تعزيز الجباية من التجار والشركات الكبيرة في قطاع غزة، وخاصة التي تتعامل بالتهرب الضريبي وهي بالآلاف، ودفع أموالها لصالح إنشاء مشاريع صغيرة نقضي من خلالها على البطالة ونعزز تلاحم المجتمع.

يتم رصد مخالفات كبيرة لأي مصنع فلسطيني لا يلتزم بمعايير الجودة الفلسطينية التي لا تؤهله لمنافسة المنتجات الخارجية التي يتم استيرادها من الخارج، فاستبدال المنتج الفلسطيني بغيره المستورد يجب أن يكون بناء على جودة المنتج الذي صنعته بجدارة الأيدي العاملة الفلسطينية.

نحن بحاجة إلى خطوات عملية قد لا تجعلنا نصل للاكتفاء الذاتي في كل المنتجات، غير أنها ستغير المعادلة بالنسبة لنا، ودعونا نخطو خطوة إلى الأمام يكون أساسها أننا “نأكل مما نزرع ونبيع مما نصنع”، وبذلك ننهض بأنفسنا في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي وعلى صُعد مختلفة، ونسدد ضربات مختلفة للإنتاج الإسرائيلي الذي يُصيبنا في مقتل.