منذ اندلاع شرارة انتفاضة القدس بالضفة الغربية المحتلة في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وقعت دولة الاحتلال بشقيها السياسي والعسكري في مأزقين أحدهما أعظم من الآخر، فالقوة العسكرية التي يُشار لتسليحها ودقة أدائها على مستوى العالم لم يعبأ بها الشباب الفلسطيني المنتفض واختاروا الحجر لمواجهتها في ضربة نفسية انعكست سلباً على جنود الاحتلال الذين وجدوا بأن توقعات إخماد الانتفاضة ذهبت أدراج الرياح مع استمرار تمددها، أما الجانب السياسي في “تل أبيب” فهو الآخر تلقى صفعةً أشد من صفعة الجانب العسكري، فمواطنوه الذين يتغنى بتوفير الأمن لهم غابوا عن المشهد وحولوا شوارع “إسرائيل” مدن أشباح وباتوا أسرى بيوتهم خشية وصول فتى فلسطيني إلى رقبة أحدهم وجزها بسكينه الغاضب من إجراءات الاحتلال بحقه.1
شكل الجانب السياسي في دولة الاحتلال خلية أزمة لمواجهة انتفاضة القدس، فصعد من الاعتقالات والتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية التي بات يعتبرها أداته الضاربة في مواجهة أبناء شعبها، وبدأت الاتصالات الإسرائيلية بالحلفاء العرب والغربيين، الأمر الذي تمخض عنه اجتماع عمان برعاية “الثعلب” ووزير الخارجية الأمريكي “جون كيري”، وكانت نتيجته حظر الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتلة و “تكسير أقدامها وتجفيف منابعها” كما اقترح أحد القادة العرب.
وبعد أن تم تنفيذ القرار الإسرائيلي بحق الحركة الإسلامية، فلا بُد من الخطوة التالية لإخماد المقاومة “كما يطمحون”؛ لأنها باعتقادهم كلما تقدمت يوماً إلى الأمام فسوف تزداد الصعوبات التي تواجه عملية إخمادها والقضاء عليها، وفي سبيل ذلك وتمهيدا للخطوة التالية فقد وصل إلى الكيان الإسرائيلي “فرانك ليفينستاين” المبعوث الأمريكي الخاص لـ” عملية السلام مع الجانب الفلسطيني”، وهي زيارة لتنسيق الخطط التي درسها وزير الخارجية الأمريكي لدى زيارته للمنطقة والكيان الإسرائيلي نهاية نوفمبر الماضي.
منذ اندلاع انتفاضة القدس كانت غزة كالعادة إحدى المحرضين لشباب الضفة الغربية المحتلة والملهمة لهم لاستمرار الانتفاضة في وجه الاحتلال بحكم خبراتها السابقة في المواجهة والحروب مع الاحتلال، بل إن بعض الأدوات الفلسطينية الراضخة للاحتلال الإسرائيلي حاولت سحب جبهة غزة لمواجهة الاحتلال في محاولة لحرف البوصلة عما يجري في القدس والضفة الغربية المحتلة، لكن وبعدما فشلت كل تلك المحاولات والخطط الخبيثة، انتقلت “إسرائيل” لخطوة التهديد والقول بأن الموجه لهذه الانتفاضة هم أسرى محررون من قطاع غزة، ولما لم تُفلح هذه الخطوة كان لا بُد من خطوات أخرى، غير أن المختلف هذه المرة أن الجهة المنفذة ستكون السلطة الفلسطينية في إطار التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي والعمل ضد مصالح أبناء الشعب الفلسطيني، فمصلحة السلطة تتقاطع هذه المرة مع الاحتلال بكونها ترفض استمرار الانتفاضة في وجه الاحتلال أو تتدحرج أحداثها لتصل إلى درجات أشد مما هي عليه ضد الاحتلال.
على الفور، تلقت السلطة الفلسطينية تفاصيل خطتها للقضاء على انتفاضة القدس كخدمة مجانية لـ” إسرائيل” في إطار التنسيق والتعاون في شتى المجالات معها وإن كان ضد رغبات المواطن الفلسطيني. المهم في هذه الخطة أن غالبها يعتمد على قضايا حساسة تؤدي في الغالب إلى دغدغة العواطف والأحاسيس، ويمكن حصرها في الخطوات التالية:
المطالبة عبر “وسائل الإعلام” وليس من خلال “ما يجري على الأرض فعليا” لمحافظي المدن والمحافظات الفلسطينية وقادة الأجهزة الأمنية من رئاسة السلطة الفلسطينية بـ” تقديم العون والمساعدة للمواطنين والتخفيف من معاناتهم جراء الأوضاع الصعبة”، هذا عبر وسائل الإعلام، غير أن ما يجري خلال الليل والنهار من اعتقال الأمن الفلسطيني لأي شخص يواجه الاحتلال الإسرائيلي ويشارك أو يفكر بالمشاركة في فعاليات انتفاضة القدس يُكذب رواية المطالبة بالتخفيف عن المواطن الفلسطيني. وإلى جانب هذه المطالب الإعلامية لرئيس السلطة محمود عباس خلال اجتماعه برام الله في شهر نوفمبر الماضي بحضور رئيس وزرائه رامي الحمد الله، فقد طالب بما أسماه “ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي للمقاومة الشعبية”، وهو مطلب لا يجد أي عاقل تفسير له وكيفية التقاء المقاومة للاحتلال و” السلمية” في معادلة واحدة.
وعلى الجانب الآخر، فقد قررت رئاسة “التنسيق الأمني” رمي الكرة في ملعب غزة، واختارت لهذه المهمة العديد من الجهات، كان أهما وزير العمل مأمون أبو شهلا، والذي يعرفه المواطن الفلسطيني بأنه من أكثر الشخصيات التي أطلقت تصريحات عن غزة دون أن يرى أحدها النور، فعاد للساحة الإعلامية عبر سلسلة وعود عاطفية كبيرة، كان منها:
أعلن أن اتفاقًا قد يُعلن قريبًا يتضمن حلًا لمشكلة موظفي غزة، دون الإفصاح عن مزيدٍ من التفاصيل.
وبشأن ملف الكهرباء، أكد بأنه تم تشكيل لجنة جديدة من الفصائل ستعمل على مراقبة مشاكل الكهرباء ومعاناة المواطنين في قطاع غزة.
وفي موضوع الإعمار، أوضح “أبو شهلا” أن اجتماعا عُقد خلال الأسبوع الثالث من نوفمبر بالعاصمة الأردنية عمان مع المسئولين عن المنحة الكويتية التي تقدر بـ 200 مليون دولار وأن الأمر يسير وفق الخطة المقررة تماماً.
وبشأن ما يدور حول اتفاق لفتح معبر رفح، قال: “إن هناك جهودا واتفاق لفتح المعبر عبر آلية جديدة تتطلب ضرورة الحصول على تأشيرة للراغبين بالسفر عبر معبر رفح الفلسطيني المصري من خلال السفارة المصرية”.
وعن المعاناة في قطاع غزة وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الخريجين، ذكر أن الحكومة بحثت مع صندوق التشغيل الفلسطيني مشروع توفير قروض للخريجين للبدء بمشروعات خاصة بهم في قطاع غزة لدفع عجلة الاقتصاد.
بكل تأكيد فإن ما طرحه “أبو شهلا” يمثل أهم القضايا التي يعاني منها المواطن الفلسطيني في القطاع ويطالب بحلها منذ فترة طويلة وعدم إدارة الظهر لها من قبل الحكومة التي يعتبر “أبو شهلا” أحد وزرائها وأركانها، ولا بد بعد هذه القضايا السؤال بجدية: لماذا أطلق الوزير الفلسطيني بهذه التصريحات رغم أنه لم يصدق بأي من عشرات التصريحات التي أطلقها في أوقات سابقة؟ ولماذا لا يمكن القول بأن هذه الإعلانات تأتي في إطار محاولات إجهاض الانتفاضة؟. الجواب باختصار جاء على لسان الوزير “أبو شهلا” ذاته وفي ذات التصريح، فقد قال: “إن الدول الأخرى التي تعهدت بتقديم المنح تماطل ولا تقدم موعداً محدداً وأن كثيراً من الضغوطات السياسية تُمارس على الحكومة بسبب انتفاضة القدس”. وبذلك يتضح الهدف من هذه التصريحات باختصار “إنها جهود إجهاض انتفاضة القدس وبأيدي فلسطينية”.
الأمر لم يقتصر على هذا الجانب فقط، بل أمر “عباس” بتحريك المياه الراكدة بخصوص الحكومة الفلسطينية وكلف القيادي في حركة “فتح” فيصل أبو شهلا للتحرك تجاه حركة “حماس” لتشكيل حكومة “وحدة وطنية” من كل الفصائل الفلسطينية. ومع الحقائق التي تجري على الأرض سيكون جاهل من يعتبر بأن المطالبات بتشكيل حكومة وحدة إنما هي لمصالح فلسطينية، وعلى الأقل سيسأل الواحد فينا: كل الفصائل طالبت بهذا الأمر وبُحت أصواتها ومنذ فترات طويلة، فهل وجد “عباس” بأن الوقت الأنسب لتشكيلها خلال انتفاضة القدس التي تركز وسائل الإعلام الضوء عليها هذه الأيام؟ ثم إن البدء بمحادثات في غزة من هذا القبيل ستقوم بحرف البوصلة عن انتفاضة القدس لصالح ملاحقة تصريحات فضفاضة بغزة والتي ستصبح محور الحدث الفلسطيني.
المخططات التي يقوم بها الكيان الإسرائيلي ويساعده بها العديد من الأطراف الغربية وفي مقدمتها “واشنطن” أو العربية وفي مقدمتها السلطة الفلسطينية، مخططات أكبر من أن يتحملها بشر، خاصة وأن منفذيها يمتلكون المال والسلاح والقرار، غير أن الذي لا يدركه كل المتآمرون والمخططون على إرادة الشعب الفلسطيني المطالب بحقوقه أن الحق الفلسطيني لن يضيع ما دام ورائه جيلٌ فلسطيني أربك حسابات كل المراهنين على خنوعه وسكوته عن المطالبة بأرضه ودياره التي سلبتها العصابات الصهيونية منه ذات يوم وبتآمر رسمي عربي.


