الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 11:53 م

مقالات وآراء

الثورة اليتيمة

حجم الخط
د.يوسف رزقة

طارق الأشكال الهندسية متنوعة، منها المثلث، والمربع، والمستطيل، والدائرة، وشبه المنحرف، وغيرها. وعندما نعود إلى الوضع في المنطقة العربية من حيث هو مكان لصراعات عديدة، بعضها بيني محلي وبعضها بالوكالة عن الدول الكبرى، نجد أن شكل المثلث ربما يكون الأقرب هندسيًّا لتنظيم هذه الصراعات.

 

ثمة مثلث بقيادة روسيا وقاعدته إيران والنظام السوري، يتحرك بتوافق ما في دائرة الصراع، ويهدف إلى استبقاء الأسد في الحكم، وقمع المعارضة بأنواعها المختلفة، ومواجهة المثلثات الأخرى.

 

وثمة مثلث آخر رأسه تركيا وقاعدته السعودية وقطر، يتحرك بتوافق أيضًا في مواجهة المثلث الأول، ويهدف إلى خلع الأسد ونصرة المعارضة المعتدلة، دون داعش والقاعدة، وقد كان مؤتمر الرياض آخر إجراءات هذا المثلث، بعد تأكيد الأطراف على الحل السياسي.

 

وثمة مثلث ثالث رأسه واشنطن، وقاعدته إسرائيل ودول أوروبية، ويتحرك بتوافق قوي، وبتبادل أدوار محكم، يهدف إلى مواجهة المثلث الروسي، ومنع تفرده في الحلّ، ويلتقي مع المثلث التركي السعودي بشكل ما، ولكن لا يدعم كل مطالبه، ولا كل إجراءاته، ولكنه يؤكد كغيره على الحل السياسي.

 

ثمة قوى ودول تلحق ببعض هذه المثلثات المجسدة للفعل السياسي، والعسكري، فالعراق وحزب الله يلتحقان كأذرع في المثلث الذي قاعدته إيران والنظام السوري. ويمكن عدّ اليمن والكويت وجزء من لبنان في المثلث التركي السعودي، بينما لا نستطيع تحديد مكان مصر بدقة كافية، لأن موقفها ملتبس.

 

وإذا أردنا تحديد المثلث القائد والمنتج للقرار بشكل قوي، وجدناه يتكون من أميركا وأوروبا وروسيا، وهذا هو المثلث السائد والمهيمن، وصاحب الكلمة النافذة، وصاحب السلاح، والكلمة في مجلس الأمن، ويجتمع في فينا ويحدد الأطراف المشاركة والأطراف المرفوضة، ولكن هذا المثلث مسكون بصراع المصالح، ومن الصعب أن يتفق على مشروع واحد لسوريا، ولأنه متشاكس في العمق طالت الحرب السورية وما زالت بلا أفق أو نهاية، وما يجري في فينا لا يعدو عن لعب في هوامش الملعب.

 

وإذا نظرنا في مكونات المعارضة السورية، وجدناها لا تجتمع في أيّ من الأشكال الهندسية، فقد تجاوزت المائة تنظيم ، ولكن جزءًا مهمًا منها كداعش والقاعدة لا يحظى باعتراف من أيّ من مكونات المثلثات سالفة الذكر، بينما يحظى جزء آخر باعتراف مثلث تركيا السعودية، ومثلث أميركا أوروبا، ولكن ليس بوسع هذا الجزء الانفراد بقرار وقيادة المقاومة في الميدان، لأنه هو أيضا جزء من مجتمع بحكم الضرورة من أجزاء عديدة بينها خلافات مؤجلة، بسبب الولاءات والتمويل والتدخلات الخارجية.

 

بناءً على ما تقدم يمكن القول: إن الثورة السورية ثورة يتيمة بلا أب جامع، والشعب السوري شعب فقد الأب والأم. وتعاني الثورة من حروب بالوكالة، ومن صراعات مذهبية، والأخطر عليها وجودها على حدود فلسطين المحتلة، لذا لا تزال الحلول السياسية بعيدة المنال، وكل هذه التعقيدات تلتقي معا في المسؤولية عن تأخر الحلّ، وعن سنوات الحرب وتداعياتها.