الأحد 11 يناير 2026 الساعة 10:17 م

مقالات وآراء

«الفدائي» فدائي

حجم الخط
أيمن دلول

لقد شكل مسلسل “الفدائي” الذي أنتجته فضائية الأقصى في العام الجاري 2015م نقلة نوعية في عمل الدراما الهادفة للمشاهد العربي، بعدما انحدرت الدراما العربية إلى درجة سحيقة من العُري وغياب المضمون الذي يعود على المشاهد العربي بالخير والنهوض بواقعه نحو الأفضل.11

 

لقد جاء مسلسل “الفدائي” هذا العام والذي تم بثه خلال شهر رمضان المبارك ليصحح المسار الذي عملت أطراف عديدة في الوطن العربي وأنفقت في سبيل ذلك ملايين الدولارات لحرف المواطن العربي عن عنوان بوصلته الحقيقية، بل إن الكثير من المسلسلات التي ضجت بها الشاشات العربية لم تكتفِ بذلك، وإنما دعت المواطن العربي للتصالح وايجاد المبررات المختلفة لتقبل اليهودي المحتل والمعتدي لأرضنا وعلى ديارنا، في مشهد مثل قمة النذالة والخيانة للرسالة السامية التي يجب أن يحملها الفن.

 

أعلم جيداً أن القائمين على مسلسل “الفدائي” قد نحتوا في صخر غزة الصلب حتى أنتجوا هذا العمل الذي تعلق به الصغير قبل الكبير، وجعلنا نطمئن على أبنائنا حينما يجلسون أمام الشاشة الذهبية وهي تبثُ المسلسل، فنحن ندرك أن الرسالة التي سيتعلمها أبناؤنا ليست الحب والعشق والغرام واحتضان المحتل لبلادنا، وإنما سيتعرف أبناؤنا على حقيقة المحتلين لبلادنا وأفعالهم، تماماً كما سيتعلمون كيف يواجهون المحتل وإن كانت الوسائل المتوفرة عندهم قليلة.

 

الدعم والتمويل والإمكانيات لمنتجي المسلسل كانت تكاد تكون معدومة بالتوازي مع حصارٍ كبير تتعرض له غزة طال كافة مناحي الحياة فيها ولم يستثنِ الفن فيها، غير أن الإرادة التي امتلكها القائمون على هذا العمل الفني الراقي، جعل من الأعداء قبل المُحبين يرفعون قبعات الاحترام لها تقديراً لما قدمته لمشاهد فلسطيني يتعطش لكل أشكال الحرية والانعتاق من نير الاحتلال.

 

لقد تمكن مسلسل “الفدائي” أن يدفعنا للبكاء ونحن نشاهد معاناة أسرانا في سجون الاحتلال الصهيوني بينما لم تفلح الجهات والمؤسسات المدافعة عن الأسرى عبر تنظيم العشرات من الفعاليات في تعريفنا بجزء من معاناة أسرانا الأبطال- أنا لا أقلل من قيمة ما يفعلون وإنما أوضح الحقيقة التي تحدثتُ عنها سابقاً بضرورة تغيير الأساليب التقليدية-، وهو المسلسل الذي دعانا للبحث عن مقاومة الاحتلال بكل الوسائل التي نمتلكها وأبلغنا أن الإرادة هي التي تسبق الوسيلة، وعرفنا على أساليب العملاء ومكر ودهاء أعدائنا داخل سجون ومعتقلات العدو.

 

بكل شموخ أقف أمام كل من كان له سهم في إنجاح هذا العمل الفني الراقي، وبكل أشكال الشكر أتوجه لهم، كيف لا وهم الذين ربطوا المشاهد أكثر وأكثر بقضيته وأوضحوا أن صاحب الحق لا بُد أن ينتصر طال الزمان أم قصر، حتى وإن قدم في سبيل ذلك المال والدم والنفس، ففلسطين عروس مهرها كبير لا يُفلح في دفعه إلا من يعشقونها بحق.

 

ومن أهم القضايا التي دفعتني لشكر القائمين على هذا العمل أنهم فاجئوا الجمهور بأن جعلوه على أجزاء، وبشرونا بأن رمضان المقبل بإذن الله تعالى سنتابع الجزء الثاني من المسلسل، وهي خطوة أخرى نجحت إدارة المسلسل من خلالها في جعل الجمهور العربي والفلسطيني ينتظر الأحداث والمفاجآت التي سيحملها المسلسل وتداعياتها على الساحة الفلسطينية أو الصهيونية التي خرج أكثر من تصريح من جانب قادتها للتحذير عما احتواه هذا المسلسل الذي كان فدائي.

 

وللأمانة المهنية نقول: إن مع قادة الاحتلال حق في خشيتهم من فحوى هذا العمل الراقي، فهي المرة الأولى التي يُرشدنا فيها الفن لسلوك طُرق وسُبل نيل الحرية والعزة والكرامة، ويضع بين أيدينا الوسائل التي أرهقت الشباب الثائر في الضفة المحتلة للبحث عنها.