الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:48 م

مقالات وآراء

«جوال» والصراع الطبقي

حجم الخط
جمال عدوان

لم تُنفى الصراعات الطبقية, ولم تغب عن أي مشهد تختلط فيه السياسات, وتتبعثر فيه الأوراق,

طبقية لم تجد لها حسيباً ورقيبا, في خضم الحقد والكراهية والنرجسية التي يحملها أصحاب هذه الطبقات, الذين لا يبالون بالمصلحة العامة ولا يلتزمون بشريعة أو قانون.

 

شركة جوال في غزة, جسدت هذه الصورة الطبقية مع المجتمع الغزي, الذي يعيش أزمات متلاحقة وحصار يناهز عامه التاسع, من خلال استمرار سياسة الإستغلال والإحتكار والإحتيال بأنمق الطرق, والتعامل مع المواطنين في غزة, أنهم من طبقة أخرى, دون النظر للمعاناة التي يعيشونها.

 

وما يزيد الأمر وضوحاً الفروقات في الخدمات التي تقدمها شركة جوال بين غزة والضفة و الإستثمارات التي بالملايين تستثمر في الضفة وتستثنى وتحرم منها غزة, ما كشف عن سوءة هذه الشركة وسياستها, المبنية على عدم تكافؤ الفرص, وضعف الخدمات.

 

أتفق مع من يدعون بأنها شركة خدماتية, وأن إغلاقها غير منطقي لعدم وجود بدائل, لكن هذا لا يعني الرضوخ لسياساتها تجاه المواطنين, كما أن محاولة إعطاء غطاء لما تمارسه الشركة وإظهارها في خانة "المظلوم", ما هو إلا تزييف للواقع وتجاهل الحالة.

 

فلا يغرنكم الحملات المتواصلة التي تمارسها, بين الفينة والأخرى, فما تقدمه ما هو إلا فتات من قيمة الأرباح التي بلغت الملايين, التي انتزعتها من جيوب المكلومين والمحاصرين والفقراء ومقطوعي الرواتب, كما أنها لم ترعى في الشهداء وذويهم ولا في أصحاب المنازل المهدمة إلا ولا ذمة, فقد عكفت على رفع قضايا ضدهم لعدم تسديدهم إستحقاقات الشركة, وكأنهم نسوا أو تغافلوا أنهم جزء من هؤلاء.

 

الأولوية الإقتصادية والضرورات المُلحة, لم تحرك ساكناً لدى شركة الجوال التي استمرت في تمرير مخططها الرأسمالي, وأعتقد أن قرار النائب العام في غزة جاء متأخراً, ولكن أن يأتي خير من ألا يأتي, وأنا أعلم يقيناً أنه جاء عقب دراسة ومشاورة واسعة, ولم يأتي من فراغ, فقد بُني على معطيات جمة, دون النظر بصورة كُلية إلى إستحقاقات الضرائب التي تدفع أولاً بأول لرام الله.

 

الثراء الفاحش الذي تعيشه شركة جوال ومستواها الطبقي المرتفع, يدل على انفصالها التام عن الواقع الفلسطيني, وأرباحها مقابل فقرنا يعكس وحش رأس المال الذي يجب ألا يترك بلا حسيب أو رقيب.

 

ففي عام 2014 بلغ صافي أرباح شركة الاتصالات التي تضم جوال والهاتف الأرضي 85.1 مليون دينار أي 120 مليون دولار بمعدل مليون دولار كل ثلاثة أيام, كما أنها سجلت أكثر إرتفاعاً في أرباحها خلال السنوات الماضية بسبب تهربها الضريبي, وإستغلالها للإنقسام الفلسطيني.

 

وتعريجاً على دور المؤسسات التنموي في دعم الوضع الإقتصادي في غزة, مؤسسة فاتن للإقراض سجلت نفسها بين الخيرين عقب الحرب الأخيرة, حينما أسقطت كل القروض التي ارتقى أصحابها شهداء والتي بلغت عشرات آلاف الدولارات للفرد الواحد, تقييماً للوضع الإنساني الذي تعيشه غزة وأهلها.

 

كفانا تودداً للمفسدين, وتملقاً للأغنياء, واستعطافاً لأصحاب الجيوب الممتلئة, ومناشدة للمسئولين وأصحاب الضمائر, يجب أن نعترف ونُقر أن غزة تختصر الكثير للمسئولين وأصحاب القرار, لتسرد عن نفسها حكايات الجوع والقهر والحرمان والتهميش والحصار, والإقصاء المتعمد.

 

يجب أن يسري الحق على الجميع, مخيراً أو مسير, ويجب أن يعي الكل المسئول حاجة غزة ومواطنيها, ويكون لهم الدور في التخفيف من أزماتها المتراكمة والعمل على كسر الحصار وفتح المعابر, كما يجب على النخب السياسية والمثقفة ووسائل الإعلام ألا تكون سيفاً مسلطاً على رقاب الشعب.