لم يعد تعريف النكبات والكوارث في قاموس الحياة مقتصرا على حدوث الأضرار والخلل في عوامل قيام الحضارات والثقافات المختلفة لشعوب العالم، وكيفية إعادة إحيائها أو ترميمها ، لتنمو وتزدهر من جديد، وتحقق الإبداعات والأمنيات، والأهداف المرجوة لطموحات هذه الشعوب .
قد تكون مثل هذه النكبات والكوارث الطبيعية التي تصيب الأمم والشعوب حوادث مؤلمة وقاهرة وعلى رأسها الزلازل وتفشي الأمراض والفيضانات وغيرها، والنتيجة الحتمية لمثل هذه الأحداث وقوع الضحايا بمئات الآلاف وتدمير بعض مظاهر التاريخ والحضارة في آن واحد، إضافة إلى تشريد وتهجير العناصر السكانية من مواطنها الأصلية إلى أماكن أخرى وهي في حالة من البؤس والشقاء وشعور بالمرارة ، وأمام هذه المشاهد المأساوية وحسب القوانين الإنسانية ، والمواثيق والأعراف الدولية تهب معظم الدول والحكومات المختلفة وبالسرعة الممكنة لتقديم المساعدات والاحتياجات والمعونات الضرورية لتلك الدول التي حدثت فيها الكارثة أو النكبة، حتى تتمكن من لملمة جراحاتها وانقاذ سكانها وإعادة الإعمار والحياة الكريمة لها قدر المستطاع .ومازالت هذه الصورة المؤلمة تتكرر في كل زمان ومكان ولكن الفاعل الحقيقي في ذلك ليس هو الإنسان وليست القوة العسكرية أو الطائرات والأساطيل والبوارج الحربية أو الصواريخ المدمرة الموجهة ، إن الكارثة والنكبة التي حلت بفلسطين عام 1948م هي كارثة ونكبة فاقت في شدتها وآثارها وقسوتها ومرارتها كل الكوارث والنكبات الطبيعية التي حلت بالأمم والشعوب على مدار التاريخ ، وما قامت به العصابات الصهيونية المسلحة من انتزاع الشعب الفلسطيني من أرضه وطرده باستخدام القوة العسكرية وارتكاب المجازر الوحشية ضد أبنائه، وتشريدهم خارج وطنهم ، وطمس هويتهم واغتصاب حقوقهم والقضاء على مظاهر تاريخهم وحضارتهم ، فإن في ذلك أعظم وأشد الكوارث والنكبات التي حلت بهذا الشعب الذي كان يعيش في مدنه وقراه بأمن وأمان ، وحدثت المأساة، ووقعت الكارثة ، وتشتت الشعب الفلسطيني ، هنا وهناك وفي كل مكان وشعر الناس بالبؤس والشقاء والحرمان والمرارة القاسية ، وعاش أبناء الشعب الفلسطيني في العراء وفي المخيمات ، وفي الشتات سنوات وسنوات وأصبحت قضية اللاجئين الفلسطينيين من أهم وأشهر القضايا الإنسانية والسياسية التي شغلت أذهان العرب والمسلمين، والحكومات والمؤسسات ودول العالم ، وتمر السنين وتعقد الاجتماعات والمؤتمرات في المحافل العربية والإسلامية والدولية وتتخذ القرارات في الجامعة العربية ومؤتمرات القمة والجمعية العامة ومجلس الأمن والمنظمات الحقوقية ولكن دون جدوى ، إنها ليست نكبة أو كارثة طبيعية حتى يتم ويسهل تجاوزها وحتى تقف كل الحكومات والشعوب مناصرة ومقدمة كل المساعدات والامكانيات الفعلية التي تعيد الحقوق والبيوت والأرض لأصحابها الشرعيين الأصليين .
إن مثل هذا النوع من النكبات والكوارث التاريخية والحضارية التي حلت بالشعب الفلسطيني لا يمكن التخلص منها إلا بإحداث كارثة عسكرية وسياسية ونفسية واجتماعية واقتصادية في قلب وجسم هذا الكيان الغاصب المسمى" إسرائيل" حتى يتم القضاء عليها مثلما حدث لليهود زمن نبوخذ نصر الذي قضى عليهم وسباهم إلى بابل.
ومهما يكن من أمر فقد اعتاد معظم الكتاب والباحثون في كل ذكرى للنكبة الفلسطينية أن يقوموا بتسليط الأضواء على أحداث النكبة ومظاهرها وحيثياتها وموضوعاتها وما آل إليه حال الفلسطينيين في الداخل والخارج ، ويركز الكتاب على أن تبقى فلسطين بتاريخها وحضارتها وحياة الفلسطينيين فيها ما قبل عام 1948م ، ذاكرة حية في نفوس الأجيال الفلسطينية ولا بد من تحريرها من الغاصبين الصهاينة .
في الذكرى السابعة والستين لنكبة فلسطين نقول أن ما أٌخذ بالقوة لا يمكن أن يسترد إلا بالقوة والمقاومة وأن الشعب العربي الفلسطيني مازال متمسكا بحقوقه المغتصبة فهو يعرف أسباب الاحتلال وفي نفس الوقت يعرف أيضا أسباب وعوامل النصر وشروطه ، المنصوص عليها في القرآن الكريم ، وإن التزامنا وتطبيقنا لشروط النصر والتزامنا باستراتيجية عربية إسلامية موحدة وقوية وفاعلة لمواجهة الاستراتيجية الصهيونية وتحديها والعمل على إنهائها والقضاء عليها هو المقدمة الأولى لإحداث كارثة عسكرية وسياسية ونفسية تحل في قلب وجسم هذا العدو الغاصب ومن ثم إنهاء وجوده وتحقيق النصر المبين، وحين إذن ندخل المسجد الأقصى باذن الله فاتحين منتصرين ، وتتحرر فلسطين من دنس الغاصبين المحتلين ، وما ذلك على الله بعزيز .
وفي الذكرى السابعة والستين لنكبة فلسطين يبقى أن نذكر ، ولو في عجالة، ما يقوله ويتصوره الإسرائيليون عن النكبة في أدبهم اليهودي ، فالأدب اليهودي يقول: " إن ما حدث عام 1948م لم يكن نكبة للشعب الفلسطيني ، وإنما تحرير أرض إسرائيل ، وإعادة بناء الدولة اليهودية " ، حتى أن هذه المقولة ، بكل مدلولاتها بارزة بشكل كبير في الأدب العبري، وهذا هو أحد كتابهم " حاييم هزاز " الذي ذكر في قصته " الهارب" النفي التام لأحقية العرب في فلسطين، بل أن اليهود هم أصحاب الأرض الشرعيين . وخلاصة القول أن اليهود ينكرون تماما في قصصهم أي حق للفلسطينيين في فلسطين ، ويؤكدون على شرعية ما قاموا به من قتل وتدمير وترحيل ضد الفلسطينيين ، ويصرون على حقهم الديني والتاريخي في فلسطين وخاصة في القدس، هذه هي النظرة القمعية الحاقدة الدموية اليهودية للعرب الفلسطينيين ، إنهم يريدون أن يجعلونا غرباء في أوطاننا ، لكنهم نسوا أو تناسوا أنهم هم الإرهابيون المعتدون، قتلة الأنبياء والمرسلين، أصحاب الإفساد والرذيلة على مدى عصور التاريخ ، وهذا ما تبينه النصوص والحقائق والشواهد والأدلة التاريخية والآيات القرآنية ، فإنهم حتما إلى زوال .


