هل ارتفع ضغطي أم نزل؟ أتسارع قلبي ام هبطت دقاته؟ أهذه دموع الفرح أم الحزن؟ أهي صبابة العشق أم دفق الأسى؟ أهذا اسمي ام اني أتخيل؟ أهذه حقيقة ام أحلام يقظة؟ كل هذه التساؤلات ماجت بي وأنا أرى لاول مرة قبل عامين صورة ارسلتها احدى اخواتي باسمي مكتوبا على لوحة تقول «ديمة طهبوب الأقصى يشتاق لك» وفي خلفية الصورة تبدو قبة الصخرة المشرفة!
وكأنها كانت أعظم هدية أهديت إلي، فقد كان الحب من طرف واحد قبلها، مني للأقصى، ولكنه لا يدري بي، لا يدري بالولع والأحلام، مجرد نكرة أنا بالنسبة له، وهو روح مقدسة مباركة بأمر الله ومفتاح الخلود، واليوم وصل اسمي عنده وفي ساحاته ايذانا ببدء التعارف لعله يرضى بي في صفوف خلصائه وخدامه، معرفة كانت مجبولة بأول نشأتي من يوم أن وعيت حبه وأنا أردد لأهله:
خذوا قلبا تحجر كالحديد
خذوه وارجموا كل اليهود
خذوا روحي تظللكم جميعا
فما عاشت ترفرف من بعيد
خذوا عيني عل فـتى أغرا
غدا أعمى فيبصر من جديد
خذوا مني اليدين لعل كسرا
يعيق يدي فدائي فريد
ولكن مضت بعدها سنين والحب من طرف واحد، فالحب للاقصى لا يمكن ان يكون حالة وجدانية فقط، الوصل مع الأقصى لا يكون الا ببذل من النفس مهرا لدوام المحبة وعمق المودة، بهذا جرى سجل الخالدين في الأقصى فعودوه، وهو لذلك أهل، أن يملك عليهم حياتهم ثم يغدق عليهم من نعم القرب والارتباط والخلود ببوابة السماء.
وجاءت اللوحة باسمي تعلن اشتياق الاقصى لي وتبعتها لوحات أخرى ولكنها كانت تفاقم حالة حب متعاظمة لم يعد يشفيها ولا يكفيها سوى حل واحد الالتقاء مع الحبيب وهو حر طليق فإن لم يكن فمتابعة ما بقي من الحياة لتحقيق ذلك.
كانت لي معالم على الطريق أن أرى أمهات المؤمنين والصحابيات وربات الفهم والحجى يتجهن الى المسجد الاقصى ادراكا لعظمته الدينية وأفضاله الدنيوية وطلبا للسان صدق في الآخرين تعرف به صاحبة الفضل فيبقى اسمها يتردد على الدوام في الأقصى ويبقى أثر العمل محفوظا بحفظ الله وما هذه الا دلالة القبول ممن قدس وبارك المكان سبحانه وتعالى.
أم سلمة وجبت لها الجنة ولكن أشواقها الروحية حملتها للقاء الأقصى لتهل بالعمرة منه فتجب لها الجنة وتغفر ذنوبها مرة أخرى فتدخل في سجل خلود آخر وأوائل سبقن الى الإهلال بالعمرة من المسجد الأقصى، السيدة ميمونة أقلقها حال الأقصى فطلبت فتوى فيه لتطلق بسؤالها واهتمامها باب البعث والبذل والهدية للمسجد الأقصى بزيت يختلف بحسب العصور والهدف منه ان يبقى المسجد مضاء في موقعه ليضئ على الأمة من فيوض البركة.
سارة وزوجة سيدنا داود لم تجلسا في البيت بعد رفع قواعد المسجد بل خرجن مع أزواجهن لإقامة الشعائر ولإطلاق درب النساء وتعزيز وجودهن، الملكة العظيمة بلقيس بوصف القرآن قادتها حكمتها لإشهار اسلامها هناك أيضا، امرأة عمران الكاملة من أسرة مصطفاة نذرت ابنتها للقدس، عصمت الدين خاتون تزوجت صلاح الدين لتجمع تحت لوائه مصر والشام لعيون تحرير القدس، أما الغنية وسيدة الأعمال من عصر المماليك فلم يكن همها لوائح احصاء وتصنيف الاغنياء وان تحرز فيها موقعا او حتى تورثها لمن بعدها كانت معنية ان تترك بصمتها بكامل قرارها قصرا كبيرا منيفا ليكون حضنا لطائفة من أحب خلق الله اليه وهم الأيتام وكأنها تقول الأقصى سيكون الأم والأب لكل فاقد وجبرا لكل مكسور.
هؤلاء نساء كن قلقات بمصيرهن، كن حريصات أن يكن أعلاما وقدوات في الخير، هؤلاء النساء لم يشتق لهن الأقصى حتى بعد مماتهن فهن وان غبن جسدا فما زالت ارواحهن واياديهن البيضاء راسخة في المكان والمكان يُعرف بهن وهن به.
هؤلاء النساء اخترن المسجد الأقصى عن علم ورغبة وتضحية وقدمن كل ما يلزم ولم يرضين ان يغني عنهن أحد في هذه العلاقة الخصوصية مع الأقصى ليرسلن رسالة لكل امرأة من بعدهن ان المرأة حالة قائمة بذاتها ومطلوبة تقدمتها وأساسي وجودها دون انتظار من يبادر او يقدم عنها
وهذا يقودنا الى السؤال الأهم لأنفسنا من الذين يكتفون بالحالة الشعورية التي لا تقدم او ؤخر وحدها في جنب المسجد الاقصى والحفاظ عليه ولا تكال في ميزان دنيا ولا آخرة، فالكل يمكن ان يدعي المحبة والوصل ولكن المسجد الاقصى لا يقر لهم بذلك.
المسجد الأقصى يشهد لهؤلاء النساء عند الله والله خير شهيد وأوقافهن بأسمائهن صكوك تقدمة بين يدي الله الذي تفضل بها أصلا عليهن وهذا سبيل مجد الدنيا والآخرة رسمنه للنساء فهل من متبعة ومقتدية؟!
لا نريد ان يشتاق الأقصى لنا نريد ان نكون دائما حاضرين في الأقصى بعملنا وسعينا لعل الله يأذن بعد تقدمة العمل مشفوعا بشوق القلب والدعاء أن يجمع الله الشتيتين بعدما ظنا ان لا تلاقيا فيكون لنا بصحبة جند الفتح مثل تحقيق أمنية معاذ ألا نموت الا وقد رأينا النصر وصلينا ركعتي الفتح المسنونة التي تعطل اداؤها في الأمة منذ زمن.


