الجدل الذي دار حول ضريبة التكافل كما يسميها البعض، أو التعلية الجمركية كما يسميها آخرون, كشف عن عيوب النظام السياسي الفلسطيني من ناحية، وعن عيوب الحياة الحزبية من ناحية أخرى. وأنا هنا أودّ أن أناقش هذين العيبين، لأنهما أصل وجذر في نشأة المشكلة وغيرها من المشكلات، وسأترك نقاش التفاصيل والفروع والسلوكيات المصاحبة؛ لأنها تحتمل وجهات نظر متعددة، والنقاش هنا لا يعني أفرادًا بعينهم، وإنما يهتم بالمبادئ.
أولا: أما في الناحية الأولى, فقد قال الرافضون لقرار المجلس التشريعي: إن رفضهم له كان إجرائيًّا؛ لأن المجلس التشريعي معطل، واجتماعاته لا تكتمل؛ لأن الحاضرين من التغيير والإصلاح فقط, إذ تغيب عنها فتح والشعبية والديمقراطية. والغائبون هم الرافضون للقانون. (حسنًا).
وهنا أجد نفسي مضطرًا لسؤالهم: أليست المشكلة إذًا في تعطيل المجلس التشريعي أصلًا وابتداء؟, وهل يجوز أن يحكم عباس الشعب لأكثر من سبع سنوات بدون مجلس تشريعي يشرع ويراقب ويحاسب؟, ومن ثمة أين دوركم في استكمال النقص في النظام السياسي الفلسطيني، (على الأقل بعد اتفاق الشاطئ قبل عام)؟, أما كان الواجب الوطني يدعوكم إلى تفعيل المجلس القائم، وفرض ذلك على عباس، ثم الذهاب لانتخابات جديدة تجدد الشرعيات؟, لماذا تقبلون بقاء هذا النقص بعد أن تشكلت حكومة توافق؟, أليس هذا النقص هو الحالة المرضية؟, ولماذا تلومون من يحاول استنقاذ ما يمكن استنقاذه من عمل التشريعي المعطل، لمعالجة بعض القضايا العاجلة للمواطنين، ولو بإجراءات مؤقتة لحين إعادة الاعتبار للتشريعي القائم؟.
إن مَثَل من انتقدوا قانون ضريبة التكافل من الناحية الإجرائية، كمثل طبيب فاشل يهتم بعلاج جرح خارجي في جسد مريض بالسرطان، ولا يعطيه دواء للسرطان نفسه؛ لذلك تجد المنتقدين (لعلمهم المسبق بحقيقة مرض التشريعي) يذيّلون رفضهم بعبارة: مع ضرورة تفعيل دور المجلس التشريعي.
ثانيًا: ومن الناحية الأخرى, فقد كشفت المواقف الحزبية عن مزايدات إعلامية لا تعبر عن الواجبات الوطنية، التي يدعي الجميع حملها، والعمل بموجبها، فمن شرّع ضريبة التكافل بشكل مؤقت لحين قيام حكومة التوافق بواجباتها، قال إن هدفه جمعها وإنفاقها في رواتب الموظفين، لرفع نسبة ما يدفع لهم من أربعين في المائة إلى ستين في المائة، حتى يتمكن هؤلاء من القيام بواجبات وظائفهم الخدمية للمواطنين، وخاصة في مجال الأمن والتعليم والصحة، إذ لا يعقل أن توفر الشرطة مثلًا الأمن للمواطنين بينما رجل الشرطة لا يجد جزءًا من راتب يطعم به أولاده, ولست أدري من أين جاء أحدهم بمقولة: حماس تفرض ضريبة تكافل لتنفق على فقراء حماس!, هل في هذا الكلام منطق وحجة، أم مناورة ومكايدة؟.
ثمّ والشيء بالشيء يذكر, ألم تفرض حكومة حماس على الموظفين اقتطاعًا بنسبة 5% من رواتبهم شهريًّا تكافلًا مع العمال والبطالة، وأدى الموظفون ما عليهم، وتقبلوه؟!, ولم تنتقد يومها الأحزاب اليسارية حكومة حماس، ولم يعترض منها أحد, وكان الاقتطاع بدون قانون من التشريعي. والحقيقة التي أعلمها أن هذا الاقتطاع أسهم في علاج بعض مشاكل البطالة والعمال.
لماذا الآن لا تنظر الأحزاب الوطنية للموظف الذي أعطى أمس بإيجابية، وقد تحول بتخلي عباس وحكومة التوافق عنه إلى فقير يفرح بكوبونة شؤون اجتماعية نظرة إيجابية؟!, أليس للموظف الذي يخدمك في الصحة والتعليم والأمن واجب عليك (سواء أكنت من اليسار أم من اليمين) أن توفر له جزءًا من راتبه وأنت عضو في المجلس التشريعي, مع الأخذ بالحسبان أن السلطة الوحيدة التي تتمتع بشرعية قانونية هي المجلس التشريعي لا عباس, أم الواجب هذا مناط بحماس فقط سواء أكانت في الحكومة، أو كانت مغادرة للحكومة؟!. (الحقيقة اللي بشوف العمى وبتعامى مش عاقل). كان يمكن للمنتقدين والرافضين أن يشاركوا في النقاش تحت قبة البرلمان ويحسنوا المخرجات بحسب ما يرونه مناسبًا، وعندها فقط سيستمع الناس لهم.

