لأول مرة تمارس حماس السياسة والحكم وهو أصعب امتحان لتيار وطني ديني، كان يعمل من خلال فكر الجمعيات الخيرية والمؤسسات ذات الطابع الخدماتي.. يحيطها الغموض والتستر. بدا الأداء الحكومي مثل أي حكومة مدنية، تورطت في أخطاء ، ( لغط التوظيف، جدلية الترقيات، مشاريع ذات علاقة بالحكم، استغلال المنصب لأمور دنيوية، فروق بين الشعار والممارسة الخ).. ولكن كل ذلك تم استخدامه من طرف السلطة وحاضنتها التاريخية، تنظيم فتح، وتضخيم تلك الأخطاء لدرجة نفي الدين عن حماس وتكفيرها تارة، وتجريمها لدرجة نزع عنها ثوب الوطنية، واستكثار والاستثقال من مجرد وصفها بالفلسطينية تارة أخرى.
إن كانت حماس قد أخطأت في ممارسة السياسة والحكم، فالفضل يعود بالدرجة الأولى للسلطة التي رفضت الاعتراف بنتائج الانتخابات، ورفضت فتح أن تقتنع بأنها أصبحت أقلية، (ظروف انتخابات 2006 والتصويت العقابي- مع تسجيلنا بان فتح هي الأغلبية ) ويجب عليها أن تتحمل الــ 4 سنوات الأولى بعد فوز حماس. (وان تعصر على نفسها ليمونة من اجل الشعب)، واحترام مبدأ التداول السلمي على السلطة.
مارست السلطة ومعها فتح كل أنواع الحصار والتآمر بالتعاون والتنسيق مع دول إقليمية ودولية على حكم حماس، وأصبحت لديها هواية قطع الرواتب لمن يشك بأنه حمساوي. دخلنا في مرحلة فلترة وفرز. لم تفعلها أي حركة وطنية، عوقبت كل غزة "عقاب جماعي" "Collective Punishment"بسبب الخلاف الذي تمدد إلى خارج الحدود الغزاوية من اجل الضغط على حماس وشيطنتها لترك الحكم والاستسلام والاعتراف بأنها فشلت.
إن كانت السلطة ( المنظمة) هي العنوان الكبير الذي يستحق الاحترام، والممثل الشرعي والوحيد، فكان الأولى أن تعمل بهذا القدر الكبير من المسؤولية التي تتحدث عنها في وسائل الإعلام فقط. وان تحتوي تحت عباءتها كل أطياف الشعب الفلسطيني، ولا تعمل على التفرقة والتمييز وزرع بذور العنصرية والكراهية والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد، ومعاداة الخصم السياسي (حماس) لدرجة أن يصبح العدو الإسرائيلي اقرب إليها من جزء غير قليل من بني جلدتها، هذا الجزء أصيل وشريك في الدم والقرار.
إن الشعب الفلسطيني لا توجد فيه طوائف أو أديان متعددة مثل الهند أو ماليزيا، أو مذاهب أو عرقيات. فهو اقرب الشعوب إلى التماسك والتجانس. هذه صفة نادرة لا تجدها في باقي الشعوب. والمثال العكسي القريب هو لبنان. الذي برغم ما به من اختلافات، أصبح يتفوق على فلسطين في التجانس والتفاهم وتقبل الجميع لبعضهم البعض.
تم تخويفنا بكذبة لم يصدقها "مبتدعها" نفسه، بان التيار الإسلامي إن جاء عبر الصندوق فانه يكسر الصندوق بعدها ويعلن إمارة إلى الأبد، الأمر الذي دحضته تونس، بالتسليم التام بنتائج الانتخابات وتراجع الإسلاميين واعترافهم بالهزيمة وتسليمهم الحكم بسهولة إلى حزب "نداء تونس" والرئيس القائد باجي السبسي.
عموما، مشاعر الكراهية بين الطرفين (فتح وحماس) كان لا يجب أن تعيق المسار الديمقراطي واحترام نتائج الانتخابات. إن تحمل تبعات الــ 4 سنوات واستمرار عمل المعارضة مهما كانت بسيطة، أفضل بألف مرة من انسداد المشهد الفلسطيني وتعليق السياسة وتعطيل مسيرة خدمة الشعب المكلوم والمظلوم والمحتل، واللهاث خلف المجهول كما حدث خلال السنوات الــ 8 الماضية، التي كان كل طرف ينتظر الطرف الآخر بان ينكسر ويعلن الخسارة ويرفع الراية البيضاء، الأمر الذي لم ولن يحدث.
إن "نمط سلوك" و عقليات من يحكمنا هي مسلكيات وتصرفات "صبية صغيرة غير مسئولة" أو "عواجيز في أرذل العمر" لا تتناسب مع تضحيات الشعب الفلسطيني واحتياجاته.
إن ميول قيادة السلطة بان لا تستلم غزة إلا عندما "تتطهر" من حماس، (عقلية الإقصاء والإبادة والتطهير العرقي"Ethnic Cleansing" ، فهذه "ذريعة المتخلي"، من اجل التنصل من المسئولية التاريخية والوطنية، لأنها تعرف بان حماس أصبحت جزء من الواقع، هذا الواقع الذي لم تغيره الحروب الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة. حماس وان خرجت من النافذة فستعود مرة أخرى من الباب الواسع عبر الانتخابات القادمة التي ترفضها الآن قيادة السلطة والمنظمة، وتكتفي بحكومة وفاق عاجزة طيعة تحت السيطرة، لأنها تريد أن تحكم وتتلقى الأموال بدون مسئولية، كما حرمت غزة من موازنة 2014،، ويعرف البعض منها أنهم سيتلاشون ويختفون من المشهد القيادي كله، ويتم طردهم من الحكم بأصوات الناخبين، وهذا ما دلت عليه نتائج الاستفتاءات التي أجرته بعض الصحف مؤخرا.
من بين أهداف إسرائيل إعادة أي مجتمع عربي عقود إلى الوراء، وهذا ما تهدد به قيادات الكيان الإسرائيلي، الأطراف العربية- من دون الدول "Non-state actors" المعادية لها. غزة الآن تتراجع سنوات إلى الخلف على أيدي القيادات الفلسطينية.
على القيادة أن تقترب من غزة وتتعامل مع "الكل الفلسطيني" بنفس التعامل الايجابي الذي تبديه تجاه فرنسا مؤخرا، وجنود الاحتلال الذين يدخلون مناطق السلطة في الضفة عن طريق الخطأ، والمغنيين وأهل الفن والطرب، عليها أن لا تأخذ 2 مليون فلسطيني في غزة بجريرة حماس، التي يجب أن ترفع عنها الحظر كما سيفعل الأوروبيون في القريب.


