في بادرة طيبة لمزيد من الفهم و الاستيضاح سمحت لي الجامعة التي أعمل فيها مشكورة بتوجيهات من رئيس الجامعة و ذلك بعد كتابة الجزء الاول من هذا المقال، بالاطلاع على امتحان الكفاءة الجامعية الذي كان محور النقد في المقال الأول لشكوى بعض الطلبة و تخوفهم من ورود اسئلة غير أكاديمية على حد وصفهم و في غير مواضيع تخصصهم قد تساهم في تحديد ارائهم و توجهاتهم السياسية، و هو أمر لا تعنى به الجامعات بالدرجة الاولى بوصفها في بلدنا مؤسسات بحثية و اكاديمية بعيدة عن السياسة!
و بعد اطلاعي على الاسئلة و عددها ثمانية وجدت ان صياغتها بسيطة و واضحة و مرتبطة بمواضيع مثل المسؤولية الشخصية للمواطن الاردني و الاصلاح الوطني و واجبات المواطنة و الانتماء و الحريات الشخصية و العامة و هي لا تستدعي كثير خوف في اجابتها لولا الجو العام الذي نعيشه و التحديات الداخلية و الاقليمية التي جعلت المواطنين، و الطلاب جزء منهم، يخافون من ابداء الرأي في أبسط القضايا الاجتماعية و السياسية و ينظرون بعين الشك لأي سؤال يخرج عن النص المتوقع في امتحان تقييمي لخريجي تخصص بعينه!
اني اتفهم تحفظ بعض الطلبة على وجود هكذا اسئلة في مثل هذه الامتحانات لان طلابنا عموما غير معتادين على حرية الرأي و التعبير و المشاركة السياسية و الحزبية الفاعلة فهذه ثقافة يتم صناعتها عبر سنوات و ليست حصيلة جهد فردي و لا تظهر معالمها في الاجابة على اسئلة امتحان، و الوصول لها عمل تراكمي يبدأ من المدارس لتكون الجامعات مرحلة بروز لبعض القيادات الفكرية و السياسية الطلابية المتميزة غير أن هذا لا يسمح به في الجامعات مع الاسف و يتم التضييق على كثير من النشاطات التي تهدف الى ادماج الطلاب في الهموم و القضايا الوطنية و السياسية المحلية و العربية و مع غياب منظومة فعالة لتشغيل الطلبة في الاعمال التطوعية يشتغل الطلاب ببعضهم البعض و ينتشر العنف الجامعي!
نعم اتفهم تحفظ بعض الطلبة و تخوفهم حتى لو كان غير مبرر فنحن ابناء ثقافة تخوفنا من خيالنا و انه من خاف سلم و ان الحيطان لها اذان و لذلك يجب ان نمشي بجانبها و نسأل الله الستر!
و طلاب الجامعات و الجامعات ليسوا معزولين عن المجتمع و يعايشون نماذج لمواطنين من مختلف الاعمار و القطاعات يحاسبون حسابا عسيرا من اجل ارائهم و لو كانت منشورة على صفحة خاصة في موقع تواصل اجتماعي!
ان الخروج من هذه الحالة لا يتم بامتحان بل هو ارادة سياسية و توجه عام لاطلاق الحريات و تمكين الشباب و زيادة الوعي و استيعاب المخالف و اقامة المشاريع و تحالف القوى ،و الجامعات تتحمل جزءا كبيرا من انجاز هذا المشروع الوطني باعتبارها بيوت خبرة و تفكير، ان هذه المضامين السامية تحتاج الى حوارات موسعة و ورش عمل و مناهج تدرب و توطن فكر المواطنة و المسؤولية و الحرية السياسية لدى الطلاب
ان على الجامعات ان ارادت تضمين مثل هذه الاسئلة في الامتحانات ان تتبع المعايير العالمية في هذا المنحى و ذلك باعطاء الممتحن حرية في الاجابة من عدمها و حرية بعدها في استخدام اسمه او اخفائه و حرية ثالثة في استخدام معلوماته و اجاباته لاي اغراض اخرى بحثية او غير ذلك
ان الجامعة مشكورة لمبادرتها باطلاعي على الامتحان لاكمال الصورة عندي بعد الاستماع لرواية الطلبة و هذا دلالة شفافية و مصداقية نرجو ان تتعاظم لمزيد من مصلحة الطلبة و توعيتهم و ازالة مخاوفهم فالخائف لا يحصل علما و لا يبني وطنا و لا يصنع حضارة
يقول طاغور من علمني حررني و من احوج من طلابنا و هم قادة المستقبل من الايمان بأنهم احرار و مسؤولون ايضا عن بناء الوطن مهما تعددت أفكارهم و مشاربهم السياسية
