الجمعة 16 يناير 2026 الساعة 07:04 ص

مقالات وآراء

ختم المختار وتحرير القرار الإسلامي

حجم الخط
د.ديمة طارق طهبوب

كدت أذهل يوم طلبت مني إحدى الدوائر الرسمية أن أحصل على ختم المختار لإنجاز معاملتي لإحدى الجامعات!!

المختار!!! أحسست أن السفينة الافتراضية للسفر الى الماضي أمامي، وهي جاهزة لأركبها، وأعود الى سنوات غابرة من القحط العلمي والثقافي كان الناس وقتها يتعارفون، وتتم تزكيتهم بواسطة شخصية اعتبارية تحمل ختما تتقاضى عليه مبلغا من المال، لتثبت أنك فلان بن فلان! الا أن السفينة لم تكن موجودة، وجرجرت نفسي وابي يومها في رحلة البحث عن المختار الذي لا يحمل شهادة السادس الابتدائي ليشهد على صدقنا!

 

الشاهد في القصة هو أن طرق التزكية في بلادنا ما تزال بدائية، ناهيك أنها في بعض الاحيان غير صادقة وموثقة، واعتماد منهج الحديث في تزكية وتعديل أو جرح الاشخاص كان يناسب ذلك الميدان في ذلك الزمان؛ حيث كانت الذمم أكثر نزاهة وصفاء، وكان الناس أطهارا لم يتلوثوا بالدنيا وحساباتها والاصطفافات ومآلاتها، وكانت البوصلة واضحة لله ورسوله والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم.

 

يغدو الأمر أكثر حساسية في العمل الاسلامي في هذه المرحلة بالذات، والاسلام وكل ما يمثله مستهدف، وهناك من يبحث عن السقطات، ويتحرى ضرب الاسافين ليسيء للاسلام بشكل عام، وكل من ينتسب له، ثم يبني على ذلك خرافة أن الاسلام لا يصلح للحكم! وما هو الا سجادة صلاة، وعبادات معلومة لا تجاوز ذاتية من يؤديها!

يغدو الأمر أكثر حساسية في العمل الاسلامي، والمرحلة بحاجة إلى تقديم الأكفاء ووحدة الصف على ذات الاهداف، وتأخير كل الحسابات الاخرى والمعارك الجانبية التي ما عاد الصف يقبلها او يحتملها!

 

أسوأ ما يمكن أن يحصل للمرء أن ينحي عقله جانبا، وينساق لرأي غيره، وهو في موقع المسؤولية والامانة والشهادة، ومطلوب منه حسن الاختيار، وأن يبني قراره على شهادات آخرين مهما كان فضلهم، دون أن يحكم عقله ويوازن ويفاضل، ويعرف ان أجاب فيما أجاب، وإن امتنع لم امتنع.

 

لقد نصحنا الفاروق ان نعامل بالدرهم والدينار والسفر حتى نحكم على الرجال ونزكيهم، والامر يتوسع عن ذلك ايضا ليشمل كثيرا من مجالات العمل، فلا حكم فقط لتزكية الشخوص للشخوص، او نقل الثقات، لا بد من المعرفة والمعاملة وهي مناط قدر الرجال والنساء في موازين العمل.

 

إن القرار الاسلامي في تنصيب الاشخاص وتزكيتهم للمواقع بحاجة الى تحرير من كل جهالات الممارسات التي تعصب على العينين، وتتبع آراء الغير.

 

في زمن الصحابة كان الرجل يشهد للرجل بالخير، وبينهما نزاع او خصومة شخصية، فالشهادة يجب ان تكون لله دون أي شوائب او مداخلات من هوى النفس، ويحصل ان تقدم شخصا ثم يظهر ضعفه، وهذا طبيعة النفس البشرية، وعمل الانسان الذي لا بد أن يعتريه النقص، ولكن المهم في الممارسة والمبدأ ان تكون على بينة، وعلى هدى.

 

لقد احتوشت سليمان بن عبد الملك ملاهي الدنيا فترة حكمه القصير، ولكنه عندما أراد أن ينصب خليفة للمسلمين يجبر به تقصيره في أمرهم، وهو خليفة وضع آراء كبار بني امية واهله جانبا، حتى اولاده واخوانه لم يلتفت لهم، ورزقه الله موقف صدق فقال «سأعقد عقدا لا يكون للشيطان فيه نصيب»، واختار عمر بن العزيز الذي وصل ما انقطع من خلافة الراشدين وعدلهم ومجدهم.

 

عندما تكون الخيارات خالصة لله فقط ستبنى عليها ممارسات ومشاريع قوية وصحيحة، وينهض العمل الاسلامي ليضرب النموذج والمثال، ويصبح نهجا واضحا واسسا ثابتة معروفة للعيان لا تنتظر تزكية، ولا ختم المختار ليصادق عليها!

 

النصر كل النصر للعمل الاسلامي، والتقدم كل التقدم والراحة كل الراحة عندما تكون أجوبتنا حاضرة لله لنعم أعطيتها لفلان، او منعتها عنه فيما اعطيتها او منعتها.

 

ابحثوا عمن تشهد لهم اعمالهم واحوالهم، وتعرفون ذلك عنهم، لا مقال الناس لهم.