منذ الإطاحة بحكم محمد مرسي وثورة 25/ يناير ، وفي (إسرائيل) فرح غير مسبوق. الربيع العربي تحول إلى خريف بسرعة مذهلة . ما كان كابوساً في ليالي تل أبيب، صار كابوساً في ليالي التيار الإسلامي وتيار التغيير بشكل عام. في فترة قصيرة اشتعلت أكثر من عاصمة عربية. النار المشتعلة هي نار داخلية بين أبناء الشعب الواحد، النار الداخلية هي أشد النيران فتكاً. تل أبيب في غاية السعادة لاشتعال النار في دمشق والقاهرة وبغداد وطرابلس. النار المشتعلة تتلقى مساعدات خارجية لكي تبقى مشتعلة وحارقة. أول المصادر التي تسكب البترول على النيران المشتعلة تأتي من تل أبيب، ومن واشنطن.
في الاستراتيجية الصهيونية ( إذا لم تستطع السيطرة على بلد ما أشعل النار فيه كي يحترق ويخضع). ولأنهم أصحاب خبرة موروثة في النار والحروب بحسب الإشارة البليغة الدالة عليهم في القرآن الكريم، فإنهم يستغلون تفوقهم العسكري والأمني والمالي لإحراق المنطقة العربية حتي يسهل السيطرة على ما يتبقى منها بعد الحريق. في جميع العواصم المشتعلة الآن بالصراعات الداخلية باتت الأنظمة الحاكمة فيها هي الأقرب إلى تل أبيب، وباتت تتعاون مع تل أبيب علناً وبشكل فجّ وغير مسبوق.
النار التي تشتعل في العراق قد تنتهي إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول تتصارع على قواعد مذهبية وعرقية. والنار التي تشتعل في سوريا قد تسفر أيضاً عن دويلات عرقية ومذهبية، مع صراع ممتد لأزمان غير معلومة، وحال مصر ليس بأحسن حال من البلاد التي انفجرت فيها صراعات عنيفة، والتخطيط الغربي لليبيا هو تقسيمها إلى ثلاث دويلات متناحرة لأزمان طويلة.
إن التوقف عند ذكر هذه الدول العربية دون غيرها لا يعني أن من لم نذكره من العواصم يعيش في حالة آمنة من النار الحارقة المجزِّئة لوحدة البلاد، بل إن هذه البلاد هي أكثر خشية من القادم، لذا نجدها الأكثر خضوعاً لمن يشعلون هذه النار.
إن مراجعة الصراع في البلاد المذكورة آنفاً تحكي حقيقة مشتركة بينها ، تقول إن نشر حالة من الفوضى الداخلية كان هو المقدمة الحقيقية للتدخلات الخارجية، وإن العواصم العربية مهيأة لهذه الفوضى مع أول عود كبريت، بسبب حالة الاستبداد والاحتقان التي تسكن مكونات المجتمعات العربية قاطبة.
وبيت القصيد في هذه المقاربة والمقدمة الطويلة هو تنبيه كل المعنيين إلى أن تهديدات نتنياهو وحكومته الأخيرة على إثر حادث الخليل الذي يكتنفه غموض غير مفهوم حتى هذه اللحظة، ربما تكمن في هدف خلق فوضى ونار داخلية في غزة والضفة تسمح بقلب ما هو قائم ، واستثمار النتائج لتحقيق الرؤية الإسرائيلية لا في الأراضي المحتلة فحسب، بل في الامتداد الإقليمي لفلسطين المحتلة أيضاً، باعتبار أن الفرصة سانحة للوصول إلى بعض النهايات الاستراتيجية، دون خسائر أو ردود أفعال غير متوقعة. وربما يتجسد هذا في سايكس بيكو (2).
لا ينبغي التقليل من شأن التهديدات العسكرية الحالية، ولا ينبغي أخذها بمعزل عما يجري في المناطق المذكورة آنفاً، ولا ينبغي الخوف منها أيضاً حتى لا ننسى الله ولا ننسى أنفسنا، بل يجب البناء على ما هو أسوأ، لاسيما في غزة التي تفتقر إلى النصير القوي في العواصم العربية وغير العربية، ومن ثم فالعبء بعد التوكل على الله، يقع على عاتق القرار الحكيم ، وجاهزية المقاومة وبسالتها ووحدتها. والحنكة في الوقاية والقفز عن الأفخاخ المنصوبة، ومغادرة التصريحات غير المحسوبة.
