من الطبيعي لو وقف ذوو ضحايا الانقسام من شهداء وجرحى أو بعضهم ضد المصالحة, لأنهم الأكثر تضررًا, وما زالت الآلام والحسرات تعتمل في صدروهم ولا يمكن لأحد أن يلومهم وخاصة أن علاج جراحهم النفسية لم يذكر إلا في معرض الحديث عن الديات أو التعويضات التي لا يمكن أن تكون بديلاً عن محاكمة كل من اقترف جرمًا ضد الآخرين، ثم بعدها يكون الصفح أو لا يكون، ولكن من غير الطبيعي أن تتعثر المصالحة من أجل شخص أو أشخاص من غير المتضررين بل ومن المنتفعين، لأن المصالحة أكبر من هؤلاء، وعندما تتحدث فتح أو حماس عن طي صفحة الانقسام فإن ذلك يعني تقديم تضحيات كبيرة من الكل الفلسطيني من أجل الصالح العام والوحدة الوطنية وبالتالي من أجل القضية الفلسطينية برمتها، ولهذا عليه أن يخجل من ضحايا الانقسام ومن شعبنا الفلسطيني كل من وضع نفسه عقبة في طريق المصالحة من أجل منصب أو موقع في الحكومة، وليعلم الجميع أن الحكومة هي حكومة الشعب الفلسطيني وليست حكومة عائلية أو متوارثة ولا هي حكومة رجال المال والأعمال أو المحسوبيات.
قبل وأثناء وجود رئيس الوزراء السابق سلام فياض, قيل بأنه الشخص الوحيد القادر على جلب الأموال للشعب الفلسطيني من الدول المانحة لأنه كسب ثقتها ورضاها، وتصور البعض أن وجوده في الحكومة سيحول الضفة الغربية إلى سنغافورة أو إلى جنة عدن، ولكنه جاء وذهب ولم يتحسن وضع المواطنين بل ازداد الناس فقرًا والوضع الاقتصادي سوءًا، ولا أعتقد أن أيًّا من أعضاء الحكومة الحالية له المكانة التي حظي بها فياض لدى الغرب حتى نتمسك به ونعطل تشكيل الحكومة يومًا واحدًا، ثم لا بد لنا من تقديم ثقة الشعب على ثقة الغرب، ولا بد كذلك أن نثق بعدالة قضيتنا وقدرتنا على إجبار الآخرين على احترام خياراتنا دون أن يكون لهم رجال بيننا.
العقبة الثانية أمام المصالحة هي إلغاء وزارة الأسرى وشؤون المحررين, الأمر الذي ترفضه حماس حتى اللحظة، وهذا أمر توقعته منذ عام تقريبًا, حين اشتدت ضغوط المنظمات الصهيونية في بريطانيا والنرويج تحريضًا ضد السلطة بسبب المخصصات التي تقدمها للأسرى وكتبت حينها: " يبدو أن تلك المنظمات نجحت أخيرًا في إقناع بعض الدول الأوروبية لفتح ملف "مخصصات الأسرى" تمهيدًا لحرمانهم والضغط عليهم وإجبار السلطة على وقف دعمها المالي للأسرى, وربما حتى إلغاء وزارة شؤون الأسرى والمحررين"، ولذلك فإنني أرى أن إلغاء وزارة الأسرى هو رضوخ للابتزاز الأوروبي والغربي, ويجب رفضه انتصارًا للأسرى أولاً ثم للسيادة الفلسطينية إن أردنا وطنًا أو قرارًا مستقلاً.


