بشغفٍ شديد يترقب “مهند” الشاب الغزي العشريني جدول مباريات فريقه المفضل ريال مدريد الأسباني، فلا كهرباء مقطوعة ولا أحداث جسيمة أو امتحانات جامعية توقفه للبحث عن جلسات لحضور هذه المباريات، عند أحد أصدقائه، وفي كل مرة من المرات يصطحب “مهند” معه شنطة معدات متابعة المباريات وفيها “الأرجيلة” والطبل وعُلب السجائر وبعض أشرطة الترامال، فتلك تكون سهرة ينتابها أعصاب مشدودة، وبحسب “مهند” فالأرجيلة والدخان والأترامال السبيل الأيسر لتمر دقائق المباراة التسعين على خير!!.الريال في غزة
الوضع عند “مهند” لا يختلف كثيرا عن الجدول الذي يجهزه جاره “نور” لمتابعة مباريات فريقه المفضل “برشلونة” الأسباني، وكل منهما ينافس الآخر في المتابعة، وإن كان فريقه المهزوم فإنه يتوارى عن أنظار جاره أسبوعا كاملا حتى لا يناله العار لفشل فريقه من الفوز. ولا ينسى الجيران ما جرى قبل نحو عام تقريبا من إصابات وجروح لكلا الجارين حينما تشاجرا نتيجة نقاش حول أفضلية أحد الفريقين، فاحتد النقاش بينهما لينتهي الطرفين لحسم النقاش بالأسلحة البيضاء.
في غزة “بلد المتناقضات” بسهولة تامة يمكن التعرف على أن أحد الفريقين يخوض مباراة من خلال واحدة من الأمور التالية:
1- اختفاء الشباب من الشوارع وضعف حركة المركبات.
2- رائحة الأرجيلة والدخان المتصاعدة من مواخير المقاهي المنتشرة في قطاع غزة.
3- أصوات الإذاعات والفضائيات التي تصدح في شوارع غزة تعليقا على تلك المباريات.
4- إن دخل أحد اللصوص على أحد المحال التجارية وقام بسرقته دون شعور صاحبه، فاعلم بأن الجريمة تمت خلال مباراة لأحد الفريقين.
5- وللتأكيد أكثر بأن إحدى المباريات كانت قد انتهت آنياً، فالمسيرات وقرع الطبول وإطلاق المفرقعات في الهواء سيرشدان الإنسان العاقل لمعرفة أن ذلك الأمر هو سعادة بانتصار أحد تلك الفرق، ولن يكون بأي حال من الأحوال لدعم الأسرى الفلسطينيين المُضربين عن الطعام في سجون الاحتلال الصهيوني منذ أكثر من شهر.
6- أما اليوم التالي لإحدى تلك المباريات فسوف نشهد أستديوهات التحليل وشد الأعصاب بين مؤيدي كلا الفريقين ستنتشر في المقاهي وداخل السيارات وخلف المكاتب الحكومية والخاصة وفي كل مكان يخطر أو لا يخطر على بال بشر.
أيها السادة: أنا لا أدعي بأن كل من يتابع هذه المباريات يتعاطى الأرجيلة أو الأترامال وغيرها، ولكن ما أود التركيز عليه المهزلة التي وصلنا إليها، من التشجيع غير الموزون وغير الأخلاقي، فلا احترام للنائمين في بيوتهم أو المرضى أو غيرهم من قبل المشجعين، ولا احترام للعقول من خلال وصول التشجيع لحد الضرب والاشتباك، وغيرها من التفاصيل التي تعلمونها أكثر مني.
أعتقد أن التشجيع المحمود هو الذي يؤدي إلى التعلم والاحتراف من قبل ذلك المُشجع ليتحول من مجرد مشجع إلى نجم يرفع علم بلاده التي تئن “فلسطين” في مختلف المحافل الدولية، وعندما نصل إلى هذا النوع من التشجيع فاعتبروني من أول المُشجعين لكم. أما أن نُضيع أوقاتنا في حرق للأعصاب واشتباكات وخصومة بين بعضنا البعض فهذا أمر لن يجلب لنا كفلسطينيين إلا العار.
كنت أتمنى أن أشاهد مبادرات شبابية لتشجيع المنتخب الوطني الذي حقق إنجازات دولية في الآونة الأخيرة، وكنت أتمنى أن أرى حضورا كثيفا للمشجعين في خيام التضامن مع الأسرى المُضربين عن الطعام منذ ما يقارب الأربعين يوما وإن كنت أشكك في أن المتابعين والمشجعين لهذه المباريات لا يعلم بإضراب الأسرى أصلا، وربما لو سألناه عن أسماء عشرة فقط من أبرز المعتقلين لما ذكرها كما يحفظ أسماء فريقه المفضل سواء كانوا “أساسيين أو تحت دكة الاحتياط”.
أمرٌ مؤلم أيها الشباب أن يصل حالنا إلى هذه الدرجة من انعدام المبالاة والاهتمام بقضايانا الوطنية كما نهتم بقضايا هامشية لا تعنينا من قريب أو بعيد، وإن كنت قرعت الجرس هذه المرة فهذه الدرجة التي وصلنا إليها يتحمل مسئوليتها الشباب في المقام الأول والمسئولين في المقام الثاني الذين لم يوجدوا البرامج والخطط التي تملأ على الشباب أوقاتهم في كل نافع ومفيد، ولذلك أقول: أدركوا شباب فلسطين قبل فوات الأوان واجعلوا من ثورة هيجانه ومراهقته تتجه إلى الوجهة التي نريدها خدمة للوطن والقضية، قبل أن يُسهم العدو الصهيوني في اختيار الوجهة التي تُلبي طموحه كعدو من شبابنا اليافع.
أخيراً وللأسف فقراء مقالي هذا سيكون عددهم أكبر لأنني تحدثت عن قضية فرق رياضية مما لو كان مقالي بعنوانه ومضمونه من بدايته يتحدث عن معاناة أسرانا في سجون الاحتلال الصهيوني، وللأسف فلا طريقة للتعريف بتلك المعاناة أو جزء منها إلا باستخدام أسلوب المواربة فأرجو المعذرة أيها القراء أنني أغرر بكم بينما أتحدث عن معاناة آلاف أسرانا القابعين في سجون الظلم الصهيوني.

