لا أحد ينكر أهمية المال في إدارة الحكم. وفي أحيان كثيرة يلخص الخبراء مكانة المال في الحكم والإدارة بقولهم: ( من يملك المال يملك القرار) . ومن هنا قسم الخبراء المال إلى قسمين : ( مال وطني، ومال سياسي). فالأول هو ما ينتجه الوطن بيد أبنائه، وبه يدعم قراره الوطني، ويحمي سيادته، ويصون به مصالحه الوطنية. والثاني المال السياسي الذي تقدمه الدول المانحة الغنية للدول الفقيرة لدعم قدرتها على البقاء في الحكم بشرط أن تحافظ على مصالح الدول المانحة ، وبالتالي تكون الدولة المانحة شريكا في القرار الداخلي، و من هنا تصبح القرارات الوطنية رهينة لتأثيرات أو تداعيات المال السياسي.
لقد عاشت السلطة الوطنية منذ نشأتها بموجب اتفاقية أوسلو على ( المال السياسي )، الذي تسميه من باب التفاؤل وتخفيف الظلال السلبية بمال الدول المانحة، مع أنه في الحقيقة خال من مفهوم المنحة0 إنه مال مرتبط بثمن ما، أو بشرط ما، ويبدو أن الأمر صار واضحا بما فيه الكفاية أمام الشعب الفلسطيني، حيث كشفت المصالحة عن كنه المال الذي تقدمه واشنطن للسلطة، حيث هددت واشنطن بمراجعة قاسية في الكونجرس للمال المقدم للسلطة بعد اتفاق المصالحة.
ما تقدم لا يخفى على صاحب القرار في السلطة، بل أجزم أنه لا يخفى على أقل الفلسطينيين ثقافة، لذا وجدنا أطراف الاتفاق تحاول معالجة المشكل المالي المتوقع من خلال مناشدة القادة العرب بتوفير شبكة أمان مالي ، يحفظ للسلطة بقاءها على قيد الحياة، ويحمي قرارها السياسي من الابتزاز ومن الضغوط، وقد رفعت حماس صوتها عاليا لتأييد مطلب عباس بشبكة أمان عربية. وهذا جيد. ولكنني شعرت بالذهول حين ناقشت بعض البرامج الحوارية على الفضائيات مسألة شبكة الأمان العربية، وحجم التوقعات الإيجابية، حيث أجمعت جلّ الإجابات على عدم تحقق هذا المطلب، وأن الوعود العربية لن تترجم الى أعمال! ، وأصوات قليلة هي التي أبدت بعض التفاؤل.
لقد كانت تجربة حماس مع الحصار، وتجربة السلطة مع المال العربي كافية جدا، للإجابة عن الاستغاثة الفلسطينية بشبكة الأمان العربية، ومع ذلك فإن اليأس محظور، لأن اليأس يغلق الباب على الحل، وعلى مواجهة المال السياسي. وإذا كانت السلطة قد فشلت في بناء اقتصاد يعتمد على نفسه، وفشلت في محاربة الفساد المالي في المستويات القيادية العليا، فإن الواقع البائس الذي وصلت إليه السلطة، يقتضي منها محاربة الفساد، والبدء بخطة وطنية لبناء اقتصاد قادر على تمويل مستلزمات السلطة، وضم الجهود الوطنية بعضها إلى بعض في المعاملات العربية، ، ومواجهة العقوبات السياسية عند وقوعها، إذ من العار أن يرتهن القرار الوطني للمال السياسي القادم من وراء البحار. فلسطين بحاجة إلى شبكة أمان ذاتية، بقدر ما هي بحاجة إلى شبكة أمان عربية، وفلسطين قادرة على فعل ذلك إذا توفرت الإرادة ، وعملت الأطراف من خلال شراكة وطنية حقيقية.

