قبل سنوات قابلت اثنين من الشباب المتضامنين مع غزة لعدة ساعات، كان أحدهما من الجزائر والآخر من الأردن، وقد وصلوا بعد حرب عام 2009م على غزة، وكلمات الاثنين لا تزال تصدح في أذني باستمرار حينما تكرر خلال اللقاء أكثر من مرة قولهم: “إن أهل غزة هم صحابة هذا الزمان”. حقيقة وحينما قالوا هذه الكلمات أخذتها على محمل المجاملة الكبيرة، لكن وعندما زرت اثنتين من كُبرى الدول الإسلامية أدركت حقيقة ما قالوا، فغزة وما تتمتع به من أخلاق وآداب وعُرف وتقاليد تتسيد دولاً إسلامية بأكملها، غير أن البعض على ما يبدو لا يُريد لهذه الصورة الناصعة أن تبقى، وبدأ بنشر تصرفات وأفعال وملبوسات وغيرها لا تليق بمجتمعنا الملتزم وتضحياته الكبيرة.أعراس
في هذا اليوم عن شباب فلسطين أتحدث، فالناظر إلى تصرفاتهم وأحوالهم هذه الأيام يدرك المنزلق الخطير الذي وصلنا إليه، وسأركز حديثي عن تصرفات شبابنا في الأعراس والحفلات.
في حفلات الزفاف التي من المفترض أن تكون موافقة لعاداتنا وآدابنا وتقاليدنا، ونُدخل الفرحة من خلالها إلى أفئدة العريس وأهله، بتنا في وضع يتنافى تماما مع ما ذكرت، فالشباب في الحفلات وبنظرة أولى للواحد منهم تجد لبسه وتسريحة شعره لا تختلف كثيرا عن الأنثى التي فُطرت على هذا الأمر، أما إن وصلنا إلى فقرات “هز الوسط” فحدث ولا حرج، فالكثير من شبابنا المُلاحظ أن “براغي الوسط” عندهم مرخية إلى حد كبير، فـ” التغنج والتقصع والتلوي” لدى بعضهم يفوق ما تقوم بها الـ… وسط الليالي الحمراء.
أما في داخل أعراسنا، فحكاية أخرى للمشهد المؤلم، فالعريس إلى جوار العروس يجلس والنسوة من حوله كاشفات للسيقان ومناطق أخرى من الجسم، ولا تبقى حركة له بصحبة عروسه في العرس إلا ويفعلها فلا الغمزة تكفي ولا اللمسة كذلك، بل إن مسائل أخرى تحدث وتجري بعدما يتم تخفيف الإضاءة، وكل المشاهد تجرى والعشرات من الفتيات تحضرن العرس، ثم نأتي بعد ذلك لنقول: إن العديد من فتياتنا عندهن تصرفات بعيدة عن الحياء. لكن بالله عليكم أنى نجد الحياء وقد أعطينا فتياتنا داخل أعراسنا دروساً عملية في قلة الحياء!!.
آن الأوان أيها السادة إدراك المؤامرة التي تُحاك ضد شبابنا وفتياتنا، فنحن بالسلاح لم يتمكن منا العدو، لكن يبدو أنه بالأخلاق وبأسلوب هدمها يسعى هذه المرة، ونحن في وطن مُحتل ينبغي ألا تغيب عنا المخاطر التي تنتظرنا قبل فوات الأوان، وصدق الشاعر الذي قال:
مؤامرةٌ تدور علـى الشبـــاب *** ليُعرِض عن معانقـة الحـراب
مؤامرةٌ تقول لهـم تعالــــــوا *** إلى الشهوات في ظل الشراب
مؤامرةٌ مَرامِيها عِظـــــــــامٌ *** تُدَبِّـرُها شياطيـــن الخــــراب
وصدق الحبيب محمد “صلى الله عليه وسلم” حينما أمرنا بتربية أبنائنا التربية الصائبة الصحيحة، حتى إذا نشأوا لم يجعلونا كآباء وأمهات “نضع وجوهنا في الطين” من العار الذي جلبوه لنا، فقد قال: “إن الله ليعجب من الشاب الذي ليست له صبوة”، والمقصود بالصبوة أي ليس له شذوذ وانحراف.بل إنه لا ينبغي أن يغيب عن بال شبابنا حديث السبعة الذي مما قاله فيه حبيبنا محمد “صلى الله عليه وسلم”: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: وذكر منها: شاب نشأ في عبادة الله…”، والشاب الذي نشأ في طاعة الله يكون رجلا بمعنى كلمة رجل في المسجد وفي الحارة وفي الحفلة وفي كل مكان يوجد فيه، وليست الرجولة والطاعة قصرا على أن تكون داخل باحات المسجد، وشعارنا في هذا الإطار يجب أن يكون قول الشاعر:
أنا مسلمٌ أبغي الحياةَ وسيلةً *** للغاية العُظمَـــــــى وللميعــادِ
لرِضا الإله وأن نعيش أعزةً *** وَنُعِدّ للأخـــــرى عظيم الـزادِ
أنا مسلمٌ أسعى لإنقاذ الورى *** للنـور للإيمــان للإسعـــــــادِ
ويرُوعُنِي هذا البــلاء بأُمتي *** لما تَخَلَّتْ عن طريق الهـادي
الكثير من شبابنا حينما تذكره بأمجاد الماضي لا يعبأ بذلك؛ لأنهم وجدوا أمامهم من يصنع قدوات سيئة من مغني أو راقصة أو غيرهم، لكن للأسف غابت عنهم نماذج من قبيل أسامة بن زيد الذي قاد جيشا فيه من كبار قومه، غابت عنهم نماذج كان للشباب فيها صولة وجولة، لكن أيضا هذه الصولة والجولة بحاجة إلى شباب يتشبه بالأجداد والآباء والرجال الرجال، ولا يتشبه بالنساء.
فلسطين أيها الأعزاء لا تزال تقبع تحت الاحتلال الصهيوني الغاشم، وهو الذي يُذيقنا الذل والهوان في كل ساعة من ليل أو نهار، بل إنه يُذيق الآلاف من أبنائنا داخل معتقلاته كأس المنون، فلسطين أيها الأحبة بحاجة إلى شباب أوساطهم مشدودة، وأذرع عضلاتها مفتولة، وأرجل ثابتة في الميادين كلها.
إن الشباب هم ذخيرة الأمة، وبناة مجدها، وصناع مجدها التليد، والشباب وحدهم هم رجال الغد، الذي إن كانت فترة شبابهم “مشدودة” سيكون مجدهم مشدودا، أما إن كانت “أوساطهم مرخية” فحذارِ من مستقبل ترتخي فيه القضية الفلسطينية أكثر من ذلك، وأختم مقالي بكلمات الشاعر حافظ إبراهيم الذي وجه رسالته إلى الشباب قائلا:
رجـالَ الـغدِ المأمولِ إنّا بحاجةٍ *** إلـى عـالـم يـدعو وداع يذكر
رجـال الـغد المأمول إنا بحاجة *** إلـى عـالـم يـدري وعلم يقرر
رجـال الـغد المأمول إنا بحاجة *** إلـى حـكـمة تملى وكف تحرر
رجـال الـغد المأمول إنا بحاجة *** إلـيكم فسدوا النقص فينا وشمروا
رجـال الـغد المأمول إن بلادكم *** تـنـاشـدكـم بالله أن تـتذكروا
قصارى منى أوطانكم أن ترى لكم *** يـدا تـبـتـني مجدا ورأسا يفكر

