مسألتان أساس مطروحتان على جدول أعمل المجلس المركزي الفلسطيني، الذي سينعقد السبت المقبل في رام الله:
المصالحة الوطنية، و "تطورات العملية السياسية"، وهو المصطلح الذي أشير به إلى المفاوضات مع اسرائيل.
فيما يتعلق بالمصالحة الفلسطينية، فهي محكومة مسبقا بـ:
أولا: اتفاق القاهرة.
ثانيا: إتفاق الدوحة.
وعلى ذلك، فإن وفد منظمة التحرير الفلسطينية سيتوجه إلى غزة قبيل انعقال المجلس المركزي السبت، بهدف طرح ثلاث نقاط تنفيذية، ودون أي حوار، كما قرر الوفد نفسه، متماهيا مع موقف القيادة الفلسطينية:
أولا: تشكيل حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني.
ثانيا: تجديد مواعيد لإجراء كل الإنتخابات المستحقة (الرئاسية، التشريعية، المجلس الوطني).
ثالثا: دعوة لجنة تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، للإنعقاد.. وهي اللجنة التي تشكلت في القاهرة سنة 2005.
غير أن "حماس" تريد أن تفتح باب الحوار من جديد، كما تؤكد ذلك مصادر منظمة التحرير الفلسطينية، التي ترفض ذلك بصلابة.. متمسكة فقط بتنفيذ ما سبق الإتفاق عليه من قبل.
في ضوء هذا التناقض الرئيس: هل يمكن أن تنجح مهمة وفد منظمة التحرير في غزة..؟!
هنالك عوامل، أو أوراق قوة تمسك بها منظمة التحرير الفلسطينية، من شأنها أن تشكل ضواغط على موقف "حماس"، يدفعها نحو تقديم تنازلات:
الورقة الأولى: فقدان "حماس" لأي حليف مؤثر على المعادلة الفلسطينية الداخلية في الوقت الراهن:
1. القاهرة، والرياض، وعمّان، ودمشق، وواشنطن، وتل أبيب، تتخذ مواقف سلبية حيال حركة المقاومة الإسلامية، بدوافع سياسية متعددة.
2. طهران، لم تعد حليفا يمكن لـ "حماس" الإستناد إليه.
3. قطر وتركيا ليسا بطرفين مقررين في السياسة الإقليمية.
الورقة الثانية: تراجع القدرات المالية لدى "حماس".
الورقة الثالثة: توحد الموقف الفلسطيني (فصائل منظمة التحرير) بمواجهة "حماس".
الورقة الرابعة: امكانية اتخاذ المجلس المركزي الفلسطيني قرارا باعتبار قطاع غزة إقليما متمردا.
الورقة الخامسة: وجود استعداد لدى مصر، خاصة بعد اجراء الإنتخابات الرئاسية المؤكد فوز عبد الفتاح السيسي بها، لمواصلة إغلاق معبر فح، وشن عمليات عسكرية على قطاع غزة.
الورقة السادسة: جاهزية مصر لدعم تيار محمد دحلان، عسكريا داخل قطاع غزة.
الورقة السابعة: امكانية توصل سلطة رام الله إلى اتفاق حل نهائي مع اسرائيل، في حال تمديد المفاوضات، يلغي أي تأثير لـ "حماس" على الحل الذي يظل منتظرا.
بإختصار.. "حماس" تمر الآن في مرحلة عزلة عربية واقليمية ودولية غير مسبوقة.. وهي في أمس الحاجة إلى المصالحة مع سلطة رام الله.
في المقابل، فإن جميع أوراق الضعف الحمساوية، هي أوراق قوة بيد محمود عباس، يضاف لها:
أولا: موقف اميركي غير مسبوق يحمل اسرائيل المسؤولية عن عدم التوصل إلى اتفاق حل نهائي للقضية الفلسطينية.. وهو الموقف الذي أعلنه جون كيري وزير الخارجية الأميركي.
ثانيا: فرز لا رجعة عنه لأوراق عباس عن أوراق محمد دحلان، يقوي شعبية الرئيس الفلسطيني، وإن كان لا يستطيع الغاء وجود دحلان.
ثالثا: تأييد عربي لا يشذ عنه أي قطر عربي مؤثر.
رابعا: عدم وجود أي طرف اقليمي (إيران) أو عربي (سوريا) يمكنه أن يرفض عمليا، أي حل نهائي يمكن أن يتوصل له عباس مع اسرائيل.
خامسا: قابلية واشنطن لأن تمارس ضغوطا جادة على اسرائيل في نهاية المطاف لإلزامها بحل نهائي، ما دام عباس لم يعد بمقدوره تقديم المزيد من التنازلات.
في ضوء ما سبق، فإن المجلس المركزي، سيغدو مخيرا السبت المقبل، وفي ضوء التقرير الذي سيقدمه عزام الأحد رئيس الوفد الذي سيزور غزة، بين: إتخاذ اجراء ضد القطاع باعتباره اقليما متمردا، أو إقرار تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.. إيذانا لدعوة لجنة تطوير وتفعيل منظمة التحرير للإنعقاد، بمشاركة حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي.. لأول مرة في تاريخ منظمة التحرير الذي بدأ عام 1964.
إن تحقق المصالحة الفلسطينية، ما لم يكن ورقة ضغط على واشنطن وتل أبيب لإنجاز الحل النهائي للقضية الفلسطينية بدون "حماس"، فإنه يمكن أن يحقق ورقة ضاغطة كذلك في حال تحقق المصالحة، من أجل إنجاز الحل..!
المتابع للمواقف الإسرائيلية يدرك حقيقة أنه بدون ضغوط اميركية فاعلة، لا يمكن تحقيق حل نهائي للقضية الفلسطينية..
يتأكد ذلك من خلال المواقف الإسرائيلية المتشبثة فيما يتعلق بـ:
أولا: الإعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة.. كل المقترحات الإسرائيلية تنصب على بقاء السيادة لإسرائيل على جميع الأراضي الفلسطينية.. والتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مجرد سكان لهم حق إدارة امورهم الذاتية دون سيادة على ارضهم.
ثانيا: رفض أن يكون للكيان الفلسطيني المنتظر أية حدود مع أي دولة عربية. هنا يكمن سر تصميم اسرائيل على بقاء قواتها في الأغوار.
ثالثا: إصرار اسرائيل على بقاء القدس عاصمة موحدة، وأبدية لإسرائيل.
رابعا: إبقاء السيطرة الإسرائيلية على المياه الجوفية، ومنابع المياه الفلسطينية في الضفة الغربية.
خامسا: التمسك بالمستوطنات التي تقطع أوصال الضفة الغربية، ومواصلة توسعة وبناء المزيد من المستوطنات في الضفة.
سادسا: رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، حتى إلى الدولة الفلسطينية المنتظرة، وليس إلى أرضيهم التي هجروا منها قصرا سنة 1948.
كل هذه التشبثات الإسرائيلية، يصعب تصور ثني تل أبيب عنها، بفضل ضغوطات اميركية يصعب تصور حدوثها في عهد أضعف رئيس اميركي منذ قيام الولايات المتحدة الأميركية.
لكن هذا لا يعني الإستسلام للأمر الواقع الإسرائيلي.
ولهذا، فإن جدول أعمال المجلس المركزي يتضمن: دراسة سبل تفعيل المقاومة الشعبية، وتفعيل الإنضمام إلى 63 منظمة دولية.
توجه القيادة الفلسطينية ينصب الآن على الإستقواء بمنظمة الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المنبثقة عنها، لمواجهة الضعف والإنحياز الأميركيين؛ وكذلك صوب تفعيل المقاومة الشعبية السلمية، التي سبق أن قررتها القيادة الفلسطينية، دون أن تفعّل على أرض الواقع.
غزة التي ترفض الآن، وتراقب، وتمنع العمليات العسكرية "المسيسة" عبر خط وقف إطلاق النار مع الجيش الإسرائيلي، تبدو مدعوة بقوة للمشاركة في المقاومة على هاتين الجبهتين عبر بوابة المصالحة الفلسطينية..!


