الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 06:24 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

الأمة بين الواقع الرديء والمستقبل الوضيء/3

حجم الخط
د.أحمد نوفل

1- مدخل: السياسة في الدماغ والقلب.

 

  لتصوير مدى أهمية النظام السياسي قلت في الحلقتين السابقتين وأكرر إن أخطر النظم هو النظام السياسي، ولذلك حرص العلمانيون والسياسيون أن يخرجوه من الإسلام، وأن يمنعوا الإسلام من الوصول إلى النظام السياسي، فقد كتب علي عبد الرازق قبل تسعة عقود –تقريباً- كتابه الشهير ليقول إنه لا دولة في الإسلام ولا حكم ولا خلافة، والغريب المريب أن يتزامن كتابه مع سقوط الخلافة، وأن يروج له الإنجليز وهم دهاة السياسة في العالم، ولا أشك لحظة أن الكتاب ليس مندرجاً في السياق العام لبلد واقع تحت الاحتلال –مصر- وخلافة كانت خيمة مخيمة وإن كانت مخيبة، لكنها كانت ظلاً، فحتى لا يشعر المسلمون بأي نقص أو تحول أو داع لتحرك، كان كتاب علي عبد الرازق. ولا زال العلمانيون يعتبرونه مثال الاستنارة هو وطه حسين، مما يدلك على ارتباط الفكر إياه بالمشروع التغريبي والإلحاقي. كان علي عبد الرازق يمثل الفكر المشيخي ولا أقول الإسلامي التابع للأنظمة والذي يردد ما يقال، كما ترى على هذا المثال والمنوال هذه الأيام.

 

2- الحياة السياسية.. بيئة ومناخ وثقافة.

 

الحياة السياسية نسمع عنها ولا نراها ولا نعرفها. وبينما يتحدث طالب مدرسة ابتدائية أو إعدادية إلى أوباما في أدق المسائل السياسية يحظر على طلابنا في الجامعات العمل السياسي أو حتى الكلام في السياسة. إن العمل السياسي، بل أفضّل عليه مصطلح الحياة السياسية، هي روح تطور المجتمع. صحيح أن الثقافة هي عقل المجتمع، ولكن السياسة، هي من يتحكم في هذا العقل. وانظر إلى عمل وزارة الثقافة (في مصر مثلاً) وما يسمى قصور الثقافة، والمسارح القومية، والكتب التي تتبناها الوزارة ومن يتولونها، والخناقات على دعم المثقفين، وما سمي المواسم الثقافية، والمواكب الثقافية من كلام المثقفين عن وزارة الثقافة والفساد الخطير الذي ينخرها ولم سلّمت الوزارة لفاروق حسني طيلة قرابة عشرين سنة، وهو من عرفه كل مصري، بفساده، وسرقة اللوحات في عهده وإعادتها مزورة وادعاء أنها استعيدت وسرقة عشرات آلاف القطع الأثرية، وتولي كل مرافق ومفاصل الثقافة الأشد علمانية كجابر عصفور (عمل وزير ثقافة بعد فاروق حسني!) أقول إن مجرد مطالعة عابرة لهذه الوزارة نعلم أنها لا تصنع الثقافة بقدر ما تخدم سياسة معينة وتركز على قضايا معينة، ولماذا أصرت على طبع كتاب "وليمة لأعشاب البحر" الطافح بالتطاول على الله وعلى الدين؟ وجاء عصفور تلميذ تلميذة طه حسين وحامل لواء فكره والذاكره كثيراً مع الذاكرات والذاكرين. وكأن الثقافة ما عرفت في مصر إلا على يده، ولا عرف مثقف في مصر إلا هو. أقول: هذا الرجل شرس في علمانيته. فمن جعل الثقافة بهذه المثابة؟ إنها السياسة. وأعيد إن الثقافة تتعامل مع العقل ومنهجية تفكيره ومع الذوق من خلال الأدب ومع القيم من خلاله كذلك، ولكن من يوجهها ويسيرها ويقني قنواتها لتصب في الأودية التي يراد لها أن تبلغها؟ إنها السياسة. وقل لي أين مثل أدب شوقي وحافظ إبراهيم ولماذا انطفأت الشعلة؟

 

 نعود إلى السياق الأساسي أو السياسي.. إن السياسة ليست كلاماً ولا أحزاباً ورقية حصلت على ترخيص ثم لا حضور ولا وجود ولا طرح ولا برامج ولا فعالية ولا تأثير، فما هذه الأحزاب؟

وبينما أكتب كلمات هذا المقال أقرأ جرائد الصباح وفي السبيل ذاتها كلمات لظاهر عمرو أمين عام حزب الحياة الأردني يقول: "لا إرادة سياسية حقيقية لدينا (!!) لتفعيل التنمية الحزبية" وقال: "إن أحزابنا تحمل برامج قابلة للتطبيق والتنفيذ لو وجدت البيئة المناسبة للعمل".

 

"وأكد أن "إسرائيل" (!!) تعيق أي عملية تنمية سياسية حقيقية وأي ممارسة ديمقراطية في أي مجتمع عربي كما تعيق أي تنمية اقتصادية أو نهضة فكرية أو ثقافية أو اجتماعية".

 

وتساءل: "هل لها مصلحة بوجود أحزاب سياسية تصنع القرار السياسي (يقصد كما عندها) في العالم العربي ومن ضمنه الأردن.."الخ

 

وربما يتساءل البعض: وما علاقة "إسرائيل"؟! هنا مربط الفرس كما يقال دائماً. وهل "إسرائيل" هي من يملك القرار بالمنح أو المنع في العالم العربي؟ ولا جواب إلا: إن كنت لا تدري.. أو كنت تدري..

 

وأقرأ في السبيل كذلك مقالاً لتونسي "حمدي سديري" أقطف منه فقط قوله: "وأنا أشاهد الجيش في الشارع أعتقد بأن الفرنسيين ما زالوا في تونس.."

 

وتزين المقال ببعض الأقوال للعم أو للخال "ضاحي خلفان" فاقرأ واستمتع واستجمع قواك العقلية لتفهم الفلسفة العميقة والفكر المحيط: "الديمقراطية لا تناسبنا، دعونا وشأننا، لا تتدخلوا في أمورنا الداخلية، لترفع أمريكا يدها عنا!" قال هذا متحدثاً للسي إن إن وواصل وصلته باتصال متواصل: "أمريكا التي قبلنا (!) كي ترسل قواتها لتخلصنا من الطاغية في العراق.."

من فمك الشريف فهمنا أنكم أنتم من أتى بإيران وبعد الطاغية أبقيتم لنا حكاماً كالورد والنسيم والمسك الفواح والنفع العميم والنفح الطيب والرَّوح والرَّيحان.. والزعتر البلدي والنعناع. تبارك الله!

 

وفي أقواله كنوز أخرى نعرض عنها ونبقيها للأجيال كتركة القذافي من الكتاب الأخضر الذي دفنه في الصحراء لتكتشفه البشرية بعد آلاف السنين فينقذها من الضياع والضلال كما أنقذ القذفي ليبيا وضاحي خلفان إمارات الخليج المستقلة جداً..

هذه هي حياتنا السياسية يمثلها هذا المسؤول الكبير المثقف الخطير والمسؤول عن تقرير المصير ليس لبلده الصغير وإنما للعالم العرب الكبير!

 

فهو يقول في المقابلة نفسها: نحن قبائل وعشائر ولا نريد ديمقراطية.. بما يعني أننا ما زلنا في مرحلة ما قبل الدولة والوطن والعلاقات المتطورة والناضجة في المجتمع، وهوية المواطنة، التي تجمع كل من في الوطن، وهذا ما صنعه المصطفى عليه الصلوات في وثيقة المدينة أو دستور المدينة أو العقد الاجتماعي الذي عقده في المدينة.. وكان بحسب تلك المواد في ذلك الدستور، كان اليهودي مواطناً فيه، ولولا غدر اليهود ما جرى عليهم شيء مما جرى لهم، وإنما تآمرهم وانتهازيتهم ونفاقهم وتحريضهم على المؤمنين هو الذي أخرجهم من المواطنة بل من كل جزيرة العرب.

 

هل بعد ألف وأربعمئة وأربع وثلاثين سنة من عقد النبي في المدينة لهذا العقد الاجتماعي نرجع إلى البدائية الأولى أو الجاهلية الأولى أو آصرة التجمع الأولية التي تجاوزتها المجتمعات وانتقلت منها إلى رابطة المواطنة وما يترتب عليها من حقوق وواجبات نصت عليها الدساتير والقوانين والمواثيق والاتفاقات والحقوق المدنية، ونحن ما زلنا نردد أننا عشائر وقبائل وعصبيات!

 

3- وبعد.

 

فنؤكد ما قلناه في العنوان إن الحياة السياسية ممارسة يحرسها القانون ولا ينشئها القانون، حتى لو أنشأنا وزارات للتطوير السياسي والتنمية السياسية أو التثقيف السياسي، أو تحسين الأداء السياسي، وقوانين لتنظيم الحياة الحزبية وشروطها..الخ، لو فعلنا هذا وأضعافه، ولم نعش حياة سياسية، ولم نمارس ممارسة سياسية عملية وحزبية حقيقية، فإن الحياة السياسية ستظل مثل جمهورية أفلاطون حلماً مغرقاً في الرومانس، وخيالاً مجنحاً لا سبيل إلى التطبيق. والحديث موصول..