(نحن سعيدون بالهدوء السائد على الجبهة الجنوبية مع مصر، بسبب التنسيق الجديد مع النظام المصري) ، هذا ما قاله ( بني غانتس) رئيس أركان جيش الاحتلال الصهيوني مؤخراً، بينما توقع أن تحدث مواجهات واسعة مع غزة، منوها إلى أن المعضلة الرئيسة في غزة تكمن في أن تداعيات الوضع فيها تنعكس على ثلثي مساحة الكيان.
في هذا التصريح نقطتان مهمتان :
الأولى: أن دولة الاحتلال استطاعت ترتيب أوراقها مع السلطات المصرية الحاكمة، على نحو من التعاون الأمني والسياسي لم يكن موجودا حتى في عهد الرئيس مبارك، الذي وصفه شيمعون بيرس بكنز اسرائيل الاستراتيجي. هذا التعاون الأمني والسياسي عبرت عنه أوساط إسرائيلية من خلال إدخال تعديلات على اتفاقية كامب ديفيد في اجتماعات سرية بين الطرفين. إن جزءا من التعاون الأمني هذا له مردود سلبي على المقاومة الفلسطينية، ومن المؤكد أن المقاومة تلمس عمليا تداعيات هذا التعاون عليها، وبه يمكن تفسير سعادة بني غانتس.
إن سعادة غانتس تكتمل بتصريح (ليبرمان ) الأخير في يديعوت ،حيث قال: "خلال خمس سنوات ستكون هناك اتفاقيات سلام مع معظم الدول العربية المعتدلة". وقال: إنه لأول مرة تدرك الدول العربية أن مشكلتها ليست مع إسرائيل أو اليهود أو الصهيونية، مشكلتهم الرئيسة مع إيران وحزب الله والقاعدة. إننا لا نفصل بين سعادة غانتس، وتفاؤلا ليبرمان، فكلاهما يشعران أن ربيع إسرائيل في البلاد العربية قد بدأ وأخذ مكانا ما عرف قبل ثلاثة أعوام بالربيع العربي. إن ربيع إسرائيل ينمو ويترعرع في عواصم عربية مهمة على حساب فلسطين وحقوق شعبها وسلطتها ومقاومتها على السواء.
والنقطة الثانية: لغة التصعيد العسكري ضد غزة من ناحية، مع الإحساس العميق بأن حماس والمقاومة في غزة نجحت الى حد كبير في استراتيجية الردع، من ناحية أخرى، حتى بات غانتس يتحدث علنا عن ( معضلة ) مع غزة، تتمثل في أن ثلثي سكان إسرائيل معرضون لرد المقاومة على عدوان جديد على غزة. غزة احتملت حربين، وحصارين، من أجل بناء قوة ردع تمنح فلسطين قوة في الملفات المختلفة، ولو أحسن رئيس السلطة الاختيار والمناورة، لكانت قوة المقاومة قوة له في الملف السياسي، ولما تلاعبت به ليفني ونتنياهو، وهددوه بمصير عرفات، ولما حبسوا عنه أموال الضرائب بهذه السهولة.
إن ما فات يمكن تداركه فلسطينيا وعربيا أيضا إذا توفرت إرادة بناء ردع ذاتي مع دولة الاحتلال. إن تجربة غزة تكذب الموقف العربي التقليدي الذي يبحث عن تعاون مع دولة الاحتلال، بدلا من بناء قوة ردع معها تساعده على حفظ حقوقه الوطنية.
أنا لا أدعو العرب لقتال دولة الاحتلال، وإنما أدعوهم لبناء قوة ردع ذاتية يخدمون بها مصالحهم، فالصهيونية العالمية لن تسكت عنهم حتى تفسد عليهم الحكم وتفسد عليهم شعوبهم. ليس من الحكمة أو المنطق أن تغفل عواصم عربية عن عداوة إسرائيل والصهيونية لأن لها خلافا مع الإخوان أو مع إيران. وليس من مصلحة مستقبلية لهذه العواصم في التعاون مع دولة الاحتلال في الملف الفلسطيني أو الملف السوري أو الملف التركي، أو غيرها من الملفات، بل مصالحها في الابتعاد عن دولة الاحتلال والصهيونية.
