الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 11:13 م

مقالات وآراء

العرب والأزمة الأوكرانية

حجم الخط
د.يوسف رزقة

انتهت اللعبة الأوكرانية في جولتها الأولى. القرم من الآن هي خارج السيادة الأوكرانية. القرم الآن في طريقها إلى الانضمام إلى روسيا الاتحادية. بوتين حقق ما يريد، فقد وجه صفعة قوية للسياسة الأميركية الأوروبية في أوكرانيا. بوتين الرجل الطموح، الحالم باستعادة الدور السوفيتي أجاد اللعبة الديمقراطية، فكما اختفت أوروبا خلف الاعتصام والمعارضة والبرلمان الأوكراني، اختفى بوتين خلف الاستفتاء الشعبي في شبه جزيرة القرم، حيث أيد الانفصال عن أوكرانيا (97٪) من المشاركين في الاستفتاء.

 

) مفيش حد أحسن من حد)، ديمقراطية في مواجهة ديمقراطية. ومال في مواجهة مال. وسلاح يردع سلاحا. وهكذا هي السياسة بين الكبار. أما الصغار فهم بسبب صغرهم خارج السياسة، وعليهم الانتظار على قارعة التحولات. ويقضى الأمر حين تغيب تيم، ولا يسألون وهم حضور.

 

درس أوكرانيا ينبئ بتحولات استراتيجية كبيرة. تداعيات الأزمة الأوكرانية بين روسيا من جهة، وأميركا من جهة أخرى تتوسع، وفي هذا الشأن قالت بعض المصادر الغربية: إن سياسة بوتين تتجه نحو تفكيك أوروبا الجديدة، وقد تصل إلى أوروبا القديمة.

 

( كييف) الآن غربية، و( القرم ) روسية. والمباراة في أول أيامها، والعقوبات الغربية الأميركية لن تعيد القرم لأوكرانيا، والغرب كمن ابتلع حسكة لا يقدر على لفظها، ولا على إتمام بلعها. الفرصة الآن متاحة أمام مراكز الأبحاث لتقديم النصائح للأطراف.

 

لست أدري هل تتجه الأطراف نحو حرب باردة جديدة، بعد أن استوعبت روسيا درس الحرب الباردة القديمة، وإن كان الأمر كذلك فما هي القواعد الجديدة؟! وما تداعيات ذلك عالميا، وما تداعياتها على منطقتنا العربية؟!

بإمكاننا أن نجيب عن الأمر في محورين:

 

الأول يقول إن عصر القطبية الأحادية المسيطرة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأ يتآكل، من خلال العودة الروسية الى السياسة الخارجية النشطة وحدها أحيانا، وبتحالفها مع الصين أحيانا أخرى. وهنا علينا تعمق درس القرم، ودرس سوريا، ودرس إيران جيدا، فضلا عن درس كوريا الشمالية.

 

والثاني يقول إن أميركا والغرب سيعملان على مراجعة العديد من الملفات المشتركة مع روسيا، وحلفائها، وربما تتجه نحو جباية ثمن من روسيا في بعض هذه الملفات ، لا سيما في الملف السوري، والملف الاقتصادي، ثمنا لما جرى في الملف الأوكراني، وأحسب أن الغرب يملك أوراق قوة تساعده على جباية ثمن من روسيا.

 

إن تداعيات التحول الاستراتيجي على المنطقة العربية لا يمكن استبعادها، وقد يكون في هذه التحولات نوافذ إيجابية لمن يريد أن يستفيد منها لمصالحه، ولكن النظام العربي غير مؤهل لكي يلعب دورا وطنيا أو قوميا في خضم هذه التحولات، بعد أن تحول الى جسد ممزق مثخن بالجراح، وصار رقما في أجندة الآخرين.

 

في ظل التحولات الكبيرة تبحث الدول الطَرفية عن مصالحها، وغالبا ما تحقق منها ما كانت عاجزة عن تحقيقه من قبل، غير أن الأنظمة العربية تدير فيما بينها حربا باردة، وأخرى ساخنة غير مسبوقتين، لذا فهي جزء من المشكلة، ولا أمل فيها. ويكاد الأمل الوحيد ينحصر في الثورات ، و في رياح التغيير.