الخميس 29 يناير 2026 الساعة 12:04 م

مقالات وآراء

القوة والنفاق

حجم الخط
د.يوسف رزقة

لست مع احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم, ولست مع التدخل الروسي في أوكرانيا, ولست مع التدخل الغربي الأوروبي فيها أيضاً, ولكن أود أن أقول: إن احتلال (إسرائيل) للقدس والضفة وغزة بعد احتلال فلسطين في عام 1948م يبرر احتلال روسيا وتدخلاتها، هذا من ناحية، ويكشف عن نفاق أمريكا والغرب من ناحية أخرى.

 

لقد احتلت أمريكا أفغانستان والعراق، وجعلت منهما منطقة نفوذ دائم حتى بعد الانسحاب المقرر منهما. واحتلت (إسرائيل) بقية الأرض الفلسطينية بقوة السلاح وبمساعدة أمريكا والغرب، وما زال الاحتلال قائمًا، وتحاول أمريكا أن تحافظ على النفوذ الإسرائيلي من خلال المفاوضات. ولا أظن أن ثمة فرقاً بين الفعل الروسي في القرم، والفعل الأمريكي الإسرائيلي فيما ذكرت من بلاد.

 

لقد تابعنا سيطرة روسيا على القرم ، وهو في تقديرنا خطأ قاتل لأنه احتلال بالقوة مهما قيل عن مبرراته. وتابعنا ردود الأفعال الغربية والأمريكية، فوجدناها تكشف عن نفاق مرعب في العلاقات الدولية، إذ كيف يغضبون من الاحتلال الروسي، ويسارعون لفرض العقوبات والحصار على روسيا، بينما يحمون الاحتلال الإسرائيلي، ويرفضون أي عقوبات عليها، ويرفضون مناقشة الاستيطان في مجلس الأمن.

 

الفارق بين روسيا وأمريكا ، أن روسيا تعتمد القوة الخشنة للحفاظ على مصالحها, كما تراها في أوكرانيا والقرم تحديدًا، ولا تركن إلى القوة الناعمة للسيطرة، لأنها لا تملك أدواتها (المالية واللوجستية) ، بينما تتوفر هذه الأدوات (الناعمة) بشكل كبير في أمريكا وأوروبا.

 

الدبابات والسفن الروسية تتحرك بقوة لفرض الأمر الواقع، بينما تتحرك أوروبا وأمريكا من خلال العقوبات والحصار والأمم المتحدة لإنشاء أمر واقع آخر، لأنها تمتلك أدوات القوة الناعمة. في أيام قليلة فرضت أمريكا وأوروبا حزمة قوية وواسعة من العقوبات على روسيا، وهي حزمة مؤلمة، ولكنها لن تؤثر في بوتين الطامح لاستعادة النفوذ السوفيتي.

 

في البيت الأبيض رجل ضعيف، ومن خلفه مجتمع كره القتال خارج حدود أمريكا، بعد نزيف أفغانستان والعراق، وقد بان ضعف رجل البيت البيض في الملف السوري، وهو ضعف مهد في رأي المحللين لما يحدث في القرم. وفي الكرملين ثعلب قوي صاحب خيال، ويطمح أن يكون إمبراطورًا ، ومن خلفه مجتمع يستريح للقوة العسكرية, لا سيما في بلاد النفوذ التقليدي للاتحاد السوفيتي، بعد أن نسي تجربة أفغانستان.

 

لست أدري على وجه اليقين، هل ثمة حرب باردة تتشكل الآن بقوة، أم أن الأطراف ستتقاسم المصالح وتؤجل إشعال الحرب الباردة؟ أم ستلجأ الأطراف إلى مقايضات في مساحات جغرافية أخرى, ربما يكون الشرق الأوسط ميدانًا لها؟! ولكني أدري أن في العلاقات الدولية والإقليمية أمرين: الأول القوة، والآخر النفاق, وأن في البيت الأبيض رجلًا ضعيفًا، وفي الكرملين رجلًا طموحًا.