منذ أن أقام الاستعمار البريطاني والغربي دولة الاحتلال الإسرائيلي في عام 1948م، حاولت ( اسرائيل) ومازالت تحاول أن تكون عضوا طبيعيا في المنطقة العربية والمشرق الإسلامي. ما بذلته دولة الاحتلال من جهود ذاتية، وما حظيت به من مساعدات خارجية وبالذات من اميركا، لم تنجح مجتمعة في إضفاء صفة الكيان، أو العضو الطبيعي على اسرائيل في المنطقة. فبعد عام 1948م خاضت اسرائيل معارك عديدة مع إقليم عربي يلفظها، ويراها عضوا غريبا، ونبتا سراطانيا مضرا.
بالأمس فرض العرب مقاطعة شاملة على دولة الاحتلال بقرار إجماع عربي قادته الجامعة العربية انتصارا لفلسطين، ورفضا لهذا الجسم الغريب. المقاطعة الشاملة لم تحقق أهدافها لأنها كانت شكلية، ولم تنبع من إرادة حقيقية تؤمن بتطبيق المقاطعة عمليا.
وفي المقابل تمكنت دولة الاحتلال من تفكيك وتفتيت المقاطعة العربية، ثم اخترقتها بأشكال مختلفة من الاتفاقيات ، ومن ألوان التطبيع العلني، والخفي، وباتت دولة الاحتلال الدولة الأقرب الى بعض الأنظمة العربية، وباتت موضع ثقة أنظمة أخرى لا تقيم علاقة علنية مع تل أبيب، بل وتكاد تكون الدولة الأكثر مبادلة للمعلومات الأمنية مع العديد من الدول العربية، حتى أعلن شيمعون بيرس الانتصار مؤخراً بقوله : ( لقد أدرك العالم العربي أن مشكلته ليست مع اسرائيل، وإنما مع الإرهاب من ناحية، ومع الدول المتمردة من ناحية أخرى، وهذا انتصار كبير حققته اسرائيل بالصبر والجهد المتواصل؟! )
اليوم تحاصر دولة الاحتلال والغصب غزة، ولكنها لا تحاصر غزة وحدها، بل هي تستعين بعدد من الأنظمة العربية في إحكام الحصار على غزة وعلى المقاومة الفلسطينية أينما وجدت. والأسوأ مما تقدم أن اسرائيل باتت تحلم بعمل عسكري ( إسرائيلي عربي مشترك) ضد غزة بزعم إسقاط حكم حماس. وهي تتجه إلى الاستعانة بمخابرات دول عربية لإشعال فتن داخلية في فلسطين كمدخل لتدخل عسكري إسرائيلي عربي محتمل كما يقول د. عدنان قاسم.
يمكنك أن تسمع بنيتنياهو في عمان، أو بسلفان شالوم في دبي، أو بإسحاق مؤلخو في القاهرة، وتسمع عن وفد عربي في عزاء شارون، ولكنك لا تسمع بخالد مشعل، أو اسماعيل هنية في هذه العواصم العربية ، الأمر الذي يعني انعكاس الآية.
تل أبيب تعيش أطيب أيامها بعد أن صارت جارا مقبولا لعدد من الدول العربية، ولم تعد العضو المنبوذ في الإقليم العربي، لا سيما بعد الملفين ( المصري ، والسوري الإيراني)، وأحسب أن المسئولية الأولى والأساس في هذه التحولات الضارة تقع على منظمة التحرير، وقيادة السلطة ، وهي أبرز علامات فشلهما.
لم يعد يقف أمام هذه التحولات الضارة أحد غيرالمقاومة الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، إضافة إلى الوعي الشعبي الفلسطيني الذي يدعو الفلسطينيين للاعتماد على أنفسهم في مواجهة التحولات الضارة.


