الخميس 01 يناير 2026 الساعة 07:57 ص

مقالات وآراء

الأغوار والامتحانات العسيرة

حجم الخط
د.يوسف رزقة

الأغوار امتحان عسير لخيار المفاوضات. هو ليس الامتحان الأول. الامتحان الأول ربما كان في القدس، والثاني ربما كان في المستوطنات الكبرى والصغرى، والثالث ربما كان في الحدود، والأهم منها، و كلها مهمة، كان في حق العودة، والمؤجل منها لفترة قريبة هو يهودية الدولة. هذه هي المفاوضات ، مجموعة من الامتحانات العسيرة تعمل في قلب الثوابت الفلسطينية. إن مجرد قبول الفلسطيني بدخول الامتحانات العسيرة ، والمشاركة في إيجاد حلول لها، هو انتصار إسرائيلي، وانتحار فلسطيني.

 

ما الذي جرأ مجلس وزراء نتنياهو على الموافقة على مشروع قانون ضم الأغوار إلى دولة ( إسرائيل) الذي تقدم به ( ميري ريغف)، تمهيداً لنقله إلى الكنيست لأخذ موافقته ؟! ربما تعددت الإجابات، ولكن الأصح منها يكمن في موافقة المفاوض الفلسطيني على بقاء المستوطنات الكبرى في القدس والضفة على حالها وضمها إلى ( إسرائيل )، تحت مشروع تبادل الأراضي الذي شارك المفاوض الفلسطيني في رسم معالمه.

 

إن رضوخ المفاوض الفلسطيني للأمر الواقع في موضوع المستوطنات والحدود تحت مضحكة تبادل الأراضي أغرى الطرف الإسرائيلي بسن قانون لضم الأغوار تحت حجج أمنية.

 

قبل أيام من الإعلان عن مشروع قانون الأغوار تقدم كيري إلى الفلسطينيين بخطة أمنية تستبقي جيش الاحتلال في الأغوار لعشر سنوات قابلة للتمديد، وقابلة للانسحاب التدريجي. خطة جون كيري لا تنفصل عن مشروع قانون الضم الذي وافقت عليه حكومة نتنياهو، ولكن مشروع القانون يمثل السقف الأعلى في الرؤية الإسرائيلية.

 

لذا فإنه من الخطأ أن ينظر الفلسطيني إلى مشروع القانون على أنه عملية ضغط للقبول بخطة كيري الأمنية، وأنه يتعارض معها، وأنه إجراء إسرائيلي لتفجير المفاوضات.

 

إنه لا تعارض بين خطة كيري ومشروع القانون في المخرجات النهائية. المفاوضات في هذا الملف محصورة بين سقفين كليهما يدمر مفهوم السيادة، والاستقلالية، سواء انتهت إلى خطة كيري، أو إلى قانون ريغف.

 

في كل الامتحانات العسيرة التي دخلها المفاوض الفلسطيني بسقف وطني، انتهت بتنازلات لا وطنية قزمت الحقوق الفلسطينية. هذا يصدق في ملف حق العودة، وملف المستوطنات، وملف المعابر، وملف الأمن، وملف السيادة. لذا يجدر بالفلسطيني أن يعترف علناً بأن المفاوضات ما كانت يوماً خياراً وطنياً منصفاً، ولن تكون خياراً وطنياً منصفاً، وأن الفلسطيني خسر 78٪ من أوراقه وحقوقه في اليوم الأول من جلوسه للامتحانات العسيرة التي أسموها مفاوضات ظلماً، وخسر 50٪ مما تبقى في اليوم التالي، لأن المفاوضات لا تكون تحت تهديد السلاح، أو تحت تهديد الأمر الواقع، والقبول به كرهاً.

 

حين عقب عريقات على قانون الأغوار لم يدعُ إلى وقف المفاوضات أو الانسحاب منها، بل دعا إلى ما أسماه (سلاح) الانضمام إلى المؤسسات الدولية؟ سلاح عريقات ليس فتاكاً، وهو لا يزيد عن حركة بهلوانية للخديعة، تماماً كما يخدع الساحر عيون المتفرجين.

 

لا حل لملف الأغوار، أو غيره من الملفات، بغير الخروج الغاضب من المفاوضات، والعودة إلى الإرادة الشعبية، وتفعيل الخيارات الوطنية. فقد ثبت باليقين أن المفاوضات أكذوبة، وأنها طريق إسرائيلي لفرض الاستسلام ، والتوقيع على الرؤية الإسرائيلية للحل. وفي الوقت نفسة ليست المفاوضات طريقاً سليماً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه كما يزعم بعض سدنتها.