الإثنين 02 فبراير 2026 الساعة 09:54 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

الثورة المضادة أو الثورة على الثورة

حجم الخط
د. أحمد نوفل

كل وضع قائم يحرص على ديمومته وبقائه، ويستوي في هذا الأفراد والنظم، والأشخاص والدول والأمم والحضارات. ويستوي في هذه الخاصية البشر وسائر المخلوقات.

 

من هنا فإن الأوضاع القائمة تحاول أن تؤمن نفسها من الأخطار حتى لو لم تكن منظورة أو موجودة على مبدأ أو قاعدة «الاحتياط» و»خذوا حذركم..» و»الفحص المبكر».

 

وقد تقع في هذا مبالغات من مثل أن يؤخذ بالظنة، أو أن يؤخذ الطائع بجريرة العاصي، كما قال الحجاج: «حتى يقول الواحد منكم انج سعد فقد هلك سُعيد»

 

وفي سبيل بقاء الحال على المنوال الذي ارتضاه أصحاب هذا الحال والمستفيدون من بقائه فإنهم يشكلون حلفاً من كل المستفيدين، ويعتنقون مذهباً ومبدأ أن نحمي أنفسنا كأنما نحن في مركب إن غرق غرق الجميع، وكما قال القائل: «نعيش جميعاً أو نموت كلانا».

 

من هنا تبذر بذور الثورة المضادة في أرض المجتمعات، بتشكيل الحصانة ضد كل الاحتمالات والطوارئ والعوارض. ومن هذا المنطلق كان فرعون يقتل أبناء من يتوقع أن يأتي من قبلهم خطر عليه، ولو لم تكن له أية بوادر أو مؤشرات. فقد يكون هناك حالات من الهوس المرضي أو الوسواس الأمني؛ بحيث يجعلك الشك في ارتياب من كل من يحيط بك، فتتعب أنت وتتعب من حولك.

 

ومن يصدق أن مساحة محصورة كمناطق السلطة كان فيها 13 جهازاً أمنياً وعديد أفرادها يمكن أن يكفي فرنسا؟

ومن هنا جاءت فكرة «الدولة العميقة»، وهي كما قلت في مقالة سابقة دولة الباطن التي تحمي دولة الظاهر، أو القوة غير المنظورة التي تحرس القوى المنظورة. وكل هذا من باب الارتياب، ومن باب الاحتياط، وكل ذاك لأنك تعلم أن الوضع قائم على العوج واللااستقامة والظلم والحيف، وما أروع المثل الذي ضربه عمر بنفسه حين كان ينام على قارعة الطريق في ظل أي شجرة تسفي عليه الريح ومن هنا قيل له: «عدلت فأمنت فنمت يا عمر»، وهي الكلمة التي قالها له من أتى بتاج كسرى وسواريه وقطع بهما الصحراء حتى أوصلهما إلى المدينة فريداً وحيداً لم يبدلهما في الطريق بذهب مزور، كما كانوا يفعلون باللوحات أيام «فاروق حسني»، وكما هربوا قطع الآثار ووضعوا المقلد محلها. (فقط خمسين ألف قطعة!)

 

ولم يهرب بها إلى إسكندنافيا أو سواها ويطلب اللجوء بثروته. فقال له عمر: إن الذي أدى هذا لأمين. فقال ما نقلناه قبل حين.

الثورة المضادة تتكون من شركاء المصلحة في اقتسام الوطن وثروته، هم الدولة العميقة، وهم الثورة المضادة، وهم قوى الشد العكسي، وهم أعداء الإصلاح، وهم الرجعية، وهم المحتكرون، وهم.. إلخ، تنوعت الأسماء والمسمى واحد.

هذه الثورة المضادة هي التي تجلت أيما تجل في الثورة السورية. وما فجّر الثورة إلا شدة الظلم والاستحواذ واحتكار المال والثورة والسلطة والمناصب وتوزيع المكاسب والغنائم والمغانم على عصابة مرتبطة بالنظام طائفياً أو حزبياً أو مصلحياً أو مصيراً أو خدمة أو تبادل منافع أو ما شئت!

 

فقامت المجموعة تبطش بطشة كبرى بشعب كامل، والمغفلون ما يزالون يسمونها المؤامرة على سوريا. وما المؤامرة إلا خبالاً في عقول امتلأت بالضلال، أو هم جزء –على البعد- منتفع كالمقيمين والمتحلقين حول النظام والمتحالفين معه. ولقد أنشأ الاحتلال الأمريكي للعراق ولأفغانستان طبقة مرتبطة به اتباط المصير بالمصير، ومن هؤلاء المترجمون والموردون للسلع والدعم التمويني واللوجستي للجيش الأمريكي. ولقد سألني أحد هؤلاء مرة وقال: شيخ، لقد كسبت من توريد شاحنات للجيش الأمريكي أربعة ملايين دولار، وربحت من الصفقة القادمة ضعف هذا المبلغ فهل حرام أن أعمل هذا العمل؟ فقلت: أمريكا هي التي تصنع الشاحنات وأمريكا تريد أن تشتريها وهي تدير تجارة العالم فما حاجتها إليك؟ إنها تريد أن تصنع طبقة من المرتبطين بها والمدافعين عنها وعن استعمارها، وفي النهاية فإنّا نحن من ندفع لأمريكا، فهي تصنع عملاء بفلوسنا، ولو قلت لك: حرام، ما استجبت أمام إغراء الملايين، وأنا أعتبر السؤال من باب الاستعراض تريد أن تعرفنا أن عندك ثروة، أما أنه حرام فهذا من أبده البدهيات.

 

والسلطة مثال آخر فإن من زود الجدار هم رموز السلطة، أعني جدار الفصل العنصري، كما يسميه الرموز أنفسهم وهم يزودونه بالعمال والمواد ويلعنونه ويعتصمون في الخيام المرفهة احتجاجاً على إقامته، والباطن والظاهر شيء! هذه هي المزايدة والوطنية الكاذبة!

 

وأمثال هؤلاء هم من يستعد أن يقمع أي انتفاضة بالعنف المفرط كما يقولون، ويستعد أن يكون في دوريات اليهود المفتشة عن الثوار والمناضلين.

 

وفي الحالة المصرية فإن الجيش الذي يمتلك من الشركات والوكالات والمخابز والعقارات والاستثمارات ومكاتب السياحة والمصانع والمزارع وتصب في جيوب كبار ضباطه مليارات بلا رقيب؛ لأنه فوق المحاسبة؛ ولأنه رمز كرامة مصر واستقرارها إلى آخر المعزوفة.

هؤلاء الضباط الكبار ومثلهم رجال الأمن ورجال أجهزة المخابرات ومثلهم المقاولون من الباطن العاملون معهم، ومعهم نصف مليون بلطجي أخرج من السجن ليعمل في الأجهزة، هو مجرم أصلاً فلن يتورع عن ارتكاب أي قذارة. أضف إليه مهربي المخدرات الذين كان رموزهم في مجلس الشعب. أضف إليه إعلام الكذب والسقوط وفن الرذيلة. وشيوخ المصالح والعمد وكل منتفع من الوضع القائم.

 

فكل هؤلاء شكلوا ويشكلون جيشاً يستميت في الدفاع عن الكائن والواقع والموجود. أما وقف الفنانون والفنانات وقفة رجل واحد أمام سقوط مبارك يفدّونه بالغالي والنفيس، والآن تعاد المهزلة مع انقلاب العسكر. وأضف إلى كل من ذكر كل من جندته مخابرات إسرائيل (الموساد) ومخابرات أمريكا (CIA) وهم بالمناسبة جيوش، وأضف إليه النخب الفاسدة من المثقفين والليبراليين والعلمانيين والقوميين ادعاءً واليساريين تصنعاً من أمثال فريدة النقاش وعبد المعطي حجازي وكل هذه الرموز، أضف إليهم من يتاجرون باسم «القبط» ويدّعون الخوف عليهم والحرص على مصالحهم، وكأن الإسلام يضر بالأقباط. وكذبوا، فلا ينصف الأقليات إلا الإسلام. أما إذا أُريد أن نعطيهم فوق ما يستحقون على حساب الأغلبية فهذا أمر آخر، وهذا هو الحاصل. أضف إليه فئة من المضللين ومن غسل الإعلام أدمغتهم بحرب الإشاعة والأكاذيب، وقسم من هؤلاء كان يتحول بمجرد ما تنكشف اللعبة والكذب. أما القسم الأعم فهو صاحب موقف، فعمرو موسى المرتبط بـ»إسرائيل» متى يمكن أن يتراجع عن غيّه؟ هؤلاء منتفعون من كل العصور، ولاحظ أن عمرو موسى عابر للعهود والعصور فقد عمل منذ أكثر من ثلاثة عقود في أعلى المراكز، لا لأنه منقطع النظير، بل لأنه ممن يوصي بهم المعلم! ألم يعمل «أشرف مروان» صهر عبد الناصر مع الزعيم الخالد ثم مع السادات مستشاره السياسي، وحتى زمن مبارك، ثم نكتشف أنه من رجال «إسرائيل» المخلصين على حد تعبير أحد كبار أجهزة الأمن الإسرائيلية وزودنا بأثمن المعلومات، لكن عندنا مصادر أخرى لا تقل عنه نجومية وشهرة وأهمية، هكذا!

 

خلاصة القول: هذا الجيش العرمرم من الفاسدين والمفسدين هم الثورة المضادة. ولا يفوتنا الإشارة إلى «القضاء» الذي قضى مبارك والعهود السابقة له على كل قيم القضاء والنزاهة عندهم وأغرقهم في مستنقع الفساد والمكاسب والمال فما عاد في مصر قضاء، وكان يوماً مفخرة مصر.

 

كل هؤلاء يشكلون في النهاية جيش الثورة على الثورة أو الثورة المضادة. وإذا كان هذا الجيش مدعوماً من الخارج والقوى الدولية والقوى التابعة للخارج من القوى المحلية والإقليمية والمتمولين العرب، فما معنى أن يوضع في حساب عمر سليمان ثمانية مليارات دولار؟ وما عرفنا هذا إلا من خلاف الإمارات مع زوجته، إذ أرادوا أن يستعيدوا ملياراتهم بعد موته الذي اتهموا به الإخوان، ولم يكشف أحد متى مات ولا أين ولا كيف، وأقوى الإشاعات أنه كان بتوجيه من الإمارات ضمن فريق الأسد الذي قتل مع آصف شوكت!

 

هذه الثورة المضادة مستعدة أن تضحي بعشرات الآلاف ولا تدور عليها الدوائر، ولتذهب مصر إلى الهاوية لا يهم، وليقتل زهراتها من الشباب والشابات كما حصل في المواقع كلها.

 

ما رأيناه من بطش وقنص وحرق إلا عينة من الشاكلة الخسيسة التي يعمل بها ووفقها هؤلاء «قل كل يعمل على شاكلته»، وهذه شاكلتهم. وبكره تشوفوا منهم ما لم تكونوا تتوقعون. وبكره تشوفوا مصر.

وحديث الثورة والثورة المضادة مستمر.