بدا خبراً مغرقاً في البدائية الذي نقلته جريدة «ميل اون لاين» عن رجل مكسيكي أجبر صديقته التي تعيش معه منذ 12 سنة على ارتداء قفل حديدي تحت بنطالها؛ لتبقى مخلصة له في غيابه، ويضمن امتناعها من العلاقات الجنسية مع رجال آخرين!
بدا الخبر مغرقاً في البدائية؛ لأنه يذكر بحزام العفة fidelity beltالتي كانت النساء ترتدينه، بالجبر أيضا، عند ذهاب أزواجهن الى الحروب الصليبية حتى يذكرهن، ويمنعهن من الوقوع فريسات للغواية طوال فترة الغياب!
بدا الخبر مغرقاً في البدائية في الوقت الذي يدعي فيه العالم حرية المرأة من كل القيود، والحفاظ على كرامتها وحقوقها من الانتهاك!
بدا الخبر مغرقا في البدائية؛ لأنه يدل على انتكاسة الفطرة الانسانية التي تحط من قدر الانسان، وتنظر أن الخطيئة هي الأصل في جبلته، وتتعامل معه بنظرة الشك والتخوين!
ليس تحيزاً للاسلام، ولكن لن نجد ديناً كرم المرأة أكثر منه، وجعل كرامتها جزءا أصيلا لا تتجزء ولا تنفصل عن كرامة الرجل، بل جعل الإحسان اليها دلالة على حسن أخلاق الرجال، وأحد معايير رجولتهم. لم يتعامل الاسلام مع البشر بنظرة الاتهام، مع انه اعترف أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولكن الله أيضا أقرب الى ابن آدم من حبل الوريد، وجعل للانسان قدرة عجيبة ذاتية داخلية على مقاومة الشيطان، وهذه القدرة هي التي مكنت بشراً مثلنا هو عمر بن الخطاب من شبه انتصار ساحق على الشيطان، جعلت الرسول صل الله عليه وسلم يثني عليه ويقول: «لو سلك عمر طريقا لسلك الشيطان طريقا آخرا»، فالله لم يتركنا ورقة في مهب ريح الغوايات، يلعب بنا الشيطان كيفما يريد، وإلا لكانت الحرب بيننا محسومة النتائج لصالحه، ولا داعي للحساب والعقاب أو المكافأة،
ولكن بداية الانتصار للعفة والاخلاق لا تكون بفرض الموانع المادية الذي رأى الغرب أن من أشكالها ارتداء حزام العفة، او استخدام الأقفال على الملابس!
إن من يريد أن يتجاوز الموانع المادية سيتجاوزها، ولو كان الثمن حياته، وكم يسوق التاريخ من قصص عن نساء فقدن حياتهن، وهن يحاولن نزع حزام العفة دون مفتاح قفله، فالذي يريد أن يعصي سيتحدى كل المعيقات، والذي لا يريد أن يعصي لن يعصي ولو واجه المفاتن كلها، وما قصة عابد بني اسرائيل الذي أحرق أصابعه عندما دس عليه القوم المرأة اللعوب في بيته التي آواها من المطر، فكان كلما جاءته الشهوة حرق إصبعاً من اصابعه؛ ليذوق صبره على نار الدنيا، وهي ليست شيئا من نار الآخرة حتى ظنته المرأة مجنوناً، فخرجت عنه، وهذا الاستعراض الجبار لقوة الإرادة دلالة على أن أعظم وأول أسحلة مواجهة سلطان الشهوة الحرام هو النفس المُراقبة لله، فتلك ليست مُحزّمة بحزام العفة المادي فقط، بل لديها ترسانة أسلحة لتحيط النفس بكل وسائل المقاومة من خوف الله وغض البصر والصوم؛ إحصاناً للفرج، والابتعاد عن الاختلاط بغير داع، ومعاملة الناس بالمثل، وحفظ «أعراضهم» حتى يحفظ الله «عرضك».
هذه وهذه فقط جعلت الصحابية تقول صراحة إن تقوى الله هو ما منعها من ارتكاب الحرام يوم أنشدت:
تطاول هذا الليل واسود جانبه وطال علي ألا خليل ألاعبه
فوالله لولا خشية الله وحده لحرك من هذا السرير جوانبه
فسمعها عمر فسن قانونا أن لا يغيب الرجال في الثغور أكثر من ستة أشهر، وبذا كان للدولة والسلطة دور رديف وتكميلي في تعزيز أسباب الفضيلة والعفة لدى مواطنين تم تربيتهم عليها، وإعطاؤهم الثقة، فكان التجاوز حتى في الغرف المغلقة حالات معدودة، وكان من يفعلها يأتي ليعترف على نفسه، ويصر على القصاص والتوبة كما حصل مع الغامدية.
بينما الآن لدينا على الورق كل القوانين التي تجرم الزنى والعلاقات المحرمة، والاتجار بالبشر، و»الرقيق الأبيض»، ومع ذلك تكثر الخطايا والكبائر، ويكثر فتح المجال لها، ولما يمهد لاقترافها، فما محلات بيع الخمور ومحلات الرقص إلا تقنين وقبول رسمي لذلك، فماذا نتوقع من رجل مخمور أو مستبيح لأجساد النساء بالرقص؟! فنحن إذن نعيش حالة تناقض نرفض فيها الفاحشة ظاهرياً، بينما تقننها الدولة عملياً على واقع الأرض بدعوى الحريات!
الغريب والبدائي أيضا أن العالم استنكر فقط أن الرجل في الخبر وضع قفلاً تحت بنطال صديقته، ولم يعترض أحد أنها تعيش معه منذ 12 سنة في علاقة محرمة دون زواج او عقد شرعي يربط بينهما، وهذا حرام في كل الأديان السماوية حتى التي طالها التحريف! انتبه العالم الى النتيجة، ولم ينتبه الى السبب، لم ينتبه أن ذلك الرجل لم يحترم المرأة بداية عندما لم يكرمها بالزواج منها، ولم يراها أكثر من عشيقة أو بائعة هوى تعيش معه بلقمتها، وخدمتها له!
عندما أهينت مؤسسة الزواج والأسرة في الغرب سقطت معها الحقوق، وهذا ما ينتظرنا لو نجح الغرب في إملاء قوانينه ومعاهداته علينا، وهل نحن أحسن حالاً وبعض أخبارنا تقول إن بعض أطفالنا وشبابنا من سن 15-25 يتناولون المنشطات الجنسية؛ استجابة في بعض الأحيان لتحدي الأقران أو لممارسة الجنس!
الفضيلة والعفة تبدأ من داخل نفس الانسان والتربية عليها تعززها ويساندها القانون ومحاسبة الدولة، الحزم موطنه النفس، والتربية على الخلق القويم هو الضمانة الأولى، أما الحزام لوحده والتخويف لن يجدي نفعاً، فالمخطئ يُقرع بالعصا، وقد يعود مرة أخرى ويتحمل العقاب!
الفضيلة والعفة هي ما تبقى لنا لمواجهة طوفان الغرب الذي اجتاح إنسانيتنا، وما كان لنا من تميز حضاري، ولا فضيلة ولا عفة ما لم تستند الى أساس ديني وتربوي، فإذا فقدناهما فاقرؤوا علينا السلام!
«تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها»، نعم لقد أدركت هند بنت عتبة المعادلة التي تنطبق على الرجال والنساء على حد سواء، فالفضيلة حرية، والرذيلة عبودية، ولا توسط بينهما، فانظر لنفسك أيهما تختار.
