الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 02:44 م

مقالات وآراء

مقايضة

حجم الخط
د. يوسف رزقة

عودة عباس المنفردة للمفاوضات كانت عودة ملغمة. أقر بهذه الحقيقة عباس أو رفضها الأمر سواء. المواطن الفلسطيني العادي يحس بوطنيته حرارة هذه الألغام. واللافت للنظر أن الأحاسيس الوطنية الشعبية لا تكذب، وأنها تسبق عادة اعترافات المسئولين أو نفيهم.

 

قبل يومين أو ثلاثة تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية، وغير إسرائيلية، عن ( مقايضة) بين عباس ونتنياهو فيما يتعلق بالأسرى من ناحية، وبالاستيطان من ناحية أخرى. وقد زعمت الوسائل أن عباس وافق على مواصلة تنفيذ مشاريع استيطانية معينة، في مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين اعتقلوا قبل أوسلو.

 

الحدث الذي فجر هذا اللغم في الإعلام حاليا هو إبلاغ نتنياهو للجانب الأميركي عن عزمه الإعلان عن بناء (٢٥٠٠) وحدة استيطانية، في مقابل أو بموازاة الإعلان عن الإفراج عن الدفعة الثانية من الأسرى القدامى، وعددهم(26) أسيرًا.

 

الخبر نشرته وسائل إعلام عبرية، والحياة اللندنية، والغد الأردنية، وغيرها. وفي الخبر نقلت هذه الوسائل موقف جون كيري، حيث قال: ( إن عباس لم يشترط وقف الاستيطان، ولكن طلب إطلاق الأسرى، ولكنه يعرف حاجة نتنياهو للاستيطان لحماية حكومته الائتلافية ؟!

 

السلطة الفلسطينية داست بأرجل ثقيلة على لغم المقايضة فانفجر في وجهها ونقلت الانفجار كل وسائل الإعلام. الأرض المقدسة لا تخفي شيئا باطلا في بطنها عادة، لأنه ينفي عنها قدسيتها. انفجار اللغم ربما كان شركًا إسرائيليًا، لإجبار السلطة على التفاوض على المكشوف. السلطة أصيبت بجراح دامية. ياسر عبد ربه نفى المقايضة، وصب غضبه ( المشكوك فيه) على نتنياهو. وكذلك نفت عشراوي المقايضة، وقالت الشرط الوحيد الذي وافق عليه عباس في مقابل الأسرى، هو عدم انضمام فلسطين لهيئات ومؤسسات دولية. وحرصت على تبسيط خبر المقايضة، بالقول الاستيطان كله غير شرعي؟!

 

لا أحد يصدق قادة السلطة، أو رجال منظمة التحرير، لأن جل عمل هؤلاء خاصة في المفاوضات يجري في الخفاء، وبسرية شبه كاملة، والشعب صاحب السلطة لا يعرف شيئا، ومن ثمة تجده يصدق ما يقوله كيري ونتنياهو، ويكذب ما يقوله ياسر عبد ربه، وحنان عشراوي.

 

أزعم أن صياغات الخبر تدل على وجود المقايضة. ولا يعنيني أنها تمت بشكل صريح، أو تمت بشك ضمني كما يقول جون كيري في عبارته الدبلوماسية. والذي يعزز هذا الزعم ويجعله أقرب إلى الحقيقة هو إبلاغ نتنياهو لكيري مسبقًا بما عزم عليه، هذا أولًا. وثانيًا هو ما عزم عليه نتنياهو من بناء (٢٥٠٠) وحدة، وأنه سيتم على الأرض، ولن تغادر السلطة المفاوضات، وستكتفي بالاستنكار الإعلامي.

 

جريمة السلطة لا تنحصر في العودة البائسة إلى مفاوضات ملغمة، ولا في القرار المنفرد رغم أنف الفصائل والشعب، بل تمتد الجريمة إلى الكذب، وإلى إخفاء حقائق ما يجري في الغرف المغلقة، وهذا الإخفاء وحده كاف لاتهام سلطة التفاوض بالكذب، وبخداع الشعب.

 

سلطة التفاوض لم تقف عند مقايضة الأسرى بالاستيطان فحسب، بل هي تقايض المفاوضات بالرواتب والمنح التي تكفل لها البقاء، وفي المقابل تتخذ (إسرائيل) وأميركا المفاوضات غطاء لكل ما يجري على الأرض. وبالمفاوضات تدفع كل انتقاد دولي أو إقليمي. وقد قال الكتاب في هذه المسألة كلامًا مفيدًا، غير أن باب المقايضات لا يسمح بدخول الكلام المفيد وإن كان صحيحًا وطيبًا.