الثلاثاء 27 يناير 2026 الساعة 02:36 م

مقالات وآراء

الحمقى كُثر وابن عباس غير موجود

حجم الخط
د.ديمة طارق طهبوب

يبدو أن ظاهرة الاستقرار الأسري التي نفاخر بها كمجتمعات عربية ومسلمة أصبحت في طريقها للاندثار، بعد أن ارتفعت نسب الطلاق في البلاد العربية بشكل غير مسبوق، ففي الخبر الصادر عن دار الافتاء الأردنية أنه تم مراجعة الدائرة بـ275 حالة طلاق بعد يوم واحد من انتهاء عيد الأضحى. ونشرت وكالات الأنباء عام 2012 دراسة احصائية عن الطلاق في العالم العربي تشير إلى أن مصر تحتل المرتبة الأولى في قائمة الدول العربية بأعلى معدل للطلاق تتلوها الأردن فالسعودية ثم الامارات وباقي الدول الخليجية فالمغرب، وأن الفئة العمرية من 25-30 حصدت أعلى نسبة في وقوع الطلاق، وليس صحيحا ما يشاع أن الأسباب الاقتصادية هي السبب الرئيسي وراء ارتفاع نسب الطلاق؛ فالأسباب المادية كما أظهرت الدراسة تشكل ما نسبته 40% من أسباب الطلاق، بينما النسبة الأكبر هي لقلة الوعي الديني والزوجي والضغوط الاجتماعية،

وتُتهم فئة الشباب أنها تقبل على الزواج دون إدراك للمسؤوليات التي تكتنفه، وأن محرك العواطف هو في الأغلب الأعم وراء اختيار الزوج والزوجة، عواطف لا تلبث أن تحتوشها هموم الحياة وتدخلات الأهل فلا تبقي منها شيئاً ولا تذر، وبقدر ما أن الحب عامل مهم في الزواج، ولكنه ليس العامل الوحيد والضمان لاستمراريته، فوهج حب ما قبل الزواج والمرء خال البال والجيب عامر وكلمات الغزل عنوان المرحلة ما يلبث أن يهدأ بعد مجيء الأطفال، وتوسع الأنساب والعلاقات ليصبح اكثر عقلانية ونضجاً، وقد جاء رجل يشكو الى سيدنا عمر رغبته في طلاق زوجته لانه لم يعد يحبها، فاستنكر سيدنا عمر منطقه قائلا: أقل البيوت تُبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالاسلام والأحساب، ولكن هذا المنطق الرشيد يحتاج إلى أزواج لا يرون في الزواج منفعة من جانب واحد، أو ملهاة وتسلية أو قضاء للحاجة.

 

وبقدر ما يحتاج الزواج الى التقوى في أوله، يحتاج الى تقوى أكبر اذا انتهى، فقد سمى العلماء سورة الطلاق بسورة النساء الصغرى؛ لما فيها من تأكيد مراقبة الله وحفظ حقوق النساء وحرمتهن؛ لأنهن الطرف الأضعف في معادلة الطلاق، فطلاق المرأة نوع من الكسر لها حتى ولو كان هرباً بالروح من رجل ظالم لا يرحم المرأة حتى تتنازل له عن ثوبها، ومجتمع ظالم يرى المرأة دائما مسؤولة عن وقوع الطلاق.

 

والطلاق في أحد تعريفات القرطبي «حل العصمة بين الأزواج»: أي ميثاق الله الغليظ بينهما، والطلاق الذي يتساهل الرجال في إيقاعه ثلاث مرات في مرة واحدة؛ تعجلاً وغضباً وجهالة من انتصارات إبليس عليهم فقد ورد في الحديث: «إن إبليس يضع عرشَه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منزلةً أعظمهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول له: ما صنعتَ شيئًا، قال: ويجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين أهله. قال: فيُدنِيه، أو قال: فيَلْتَزِمُه ويقول: نعم أنتَ».

وبالرغم من أن الاسلام جاء وسطاً في تحليل الطلاق مع ضبطه فتقدم على الجاهلية التي كان الطلاق فيها غير محدود بعدد، ولا ضابط ولا حقوق، وتقدم على النصرانية التي حرمت الطلاق بالرغم من حاجة الأزواج إليه في حالة استحالة استمرار الحياة الزوجية، فألجأت أتباعها الى التحايل على الدين، والانفصال المدني أو تعدد الخليلات.

 

ولكن الاسلام جعله حلالاً بغيضاً، وظلال الكلمة والفعل تساوي العلاج بالنار والكي الذي لا يلجأ إليه المرضى الا في حالة اليأس، بل زاد الاسلام بأن جعل ميزان الأزواج في الإقدام أو الإحجام ميزان التقوى، وهذه تكون بين العبد وربه لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا شيطان فيفسدها، بل جعل من الطلاق ما هو محرم إذا كانت المرأة قائمة بحقوق زوجها وبيتها، وعاقبة من يقدم عليه دون سبب عاقبة الظالم الغاشم.

 

إن تدخل الأهل من الطرفين من الأسباب التي تساق في تبرير ارتفاع نسب الطلاق، وهي من جهل الأهالي والأزواج، فالأهل جعلهم الله حكماً وسطاً للاصلاح لا الدفع باتجاه الكارثة، كما أن على الأزواج أن يمنحوا أسرهم استقلالية في الحياة والقرار بعيدا عن تدخل الأهل مع استمرار بِرِّهم، وحوادث السيرة تروي أن أبا بكر طلب من ابنه عبد الله أن يطلق زوجته عاتكة بنت زيد وكان يحبها فغلبته على رأيه وشغلته عن سوقه، فاستجاب طاعة لوالده، فوجد عليها وأنبته نفسه اللوامة؛ لما عرف من صلاحها فقعد لأبيه وهو يريد الصلاة، فلما أبصر أبا بكر بكى وأنشأ يقول:

ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها ولا مثلها في غير جرم تُطلق

لها حسن جزيل و حلم و منصب وخلق سوي في الحياة و مصدق

فَرَقَّ له أبو بكر وأمره بمراجعتها.

 

والأسرة بمعناها اللغوي تعني الدرع الحصينة، وهي من الأسر بمعنى القوة، والأسرة رهط المرء بهم يشتد عوده وأزره، وهي كذلك الدرع الحصينة لحماية المجتمع من التفكك، لذا وضع الاسلام كل السبل والحواجز ليحول دون انهيارها مرة بعد مرة الى الثلاث، وجعل الطلاق أمراً مغلظاً لا هزل فيه حتى يحفظ للمرأة كرامتها واستقرارها النفسي، والمفروض في الرجل طبيعةً أنه أوسع صدرا، يأتمر بعقله لا بقلبه؛ لذا جعل الاسلام العصمة في يده، فالمرأة قد تطلب الطلاق غضباً، ولكنها تتوقع من زوجها حرصاً وتمسكاً، ولكن الأمر انقلب كما تظهر الدراسة محل النقاش، إذ أصبحت الزوجات أكثر حرصا على عدم وقوع الطلاق والتمسك بالأسرة؛ مخافة من تبعات الطلاق أسرياً واجتماعياً، وأصبح الأزواج أقل مراعاة وأكثر نزقاً ورعونة، ولقد صار كثير من الأزواج يرون في الزواج أُلعوبة، وكذلك الطلاق، فيطلق الزوج عن اليمين والشمال، وعلى أتفه الأسباب، وعلى الدخول والخروج، ومآدب الطعام واستبقاء الضيف، ثم يخاف العاقبة فيركض الى الشيوخ ليجد مخرجاً عندما لا ينفع الندم، فيهدم بناء السنين بنوبة غضب أو زلة جهل، والتاريخ يعيد نفسه فقد كان الرجال يأتون ابن عباس يسألونه في أمر الطلاق ومخارجه، فيرد عليهم: «أيرتكب أحدكم أُحموقته، ثم ينادي يا ابن عباس!».

 

نعم فما زيادة نسب الطلاق الا كناية عن زيادة حماقة المجتمع، وبالذات الرجال فالأمر بيدهم، حماقة لا يتأثر بها طرفان فقط بل أولاد وأسرة و مجتمع! مجتمع عربي كنا نأمل أن يحصل السبق في احصائيات ودراسات من شأنها أن تساهم في عمارة الأرض، وتقدم الانسان لا خذلانه وانتكاسه.

 

وإذا كان النكاح من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم المحببة، فكيف يُوصف الطلاق البغيض؟! وإذا كان الرسول يباهي بالأزواج فما موقفه من المُطلِّقين في غير بأس شديد وسبب تهون معه الحياة!

 

لقد استغاث الشاعر بخالد بن الوليد عندما توقف المجتمع عن انجاب رجال مجاهدين، أصحاب همة يحملون السيف دفاعا عن امتهم فقال:

يا ابن الوليد ألا سيفا تؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا

 

ويبدو أننا بحاجة إلى أن نستغيث بابن عباس، أو بمن في مثل عقله؛ لحل مشكلات الزواج والطلاق، فالأسرة هي الدرع الأخير، وسقوطها هدم للأمة وضياع للوطن.

 

فيا ابن عباس ألا عقلا تؤجره فعقول رجالنا قد أصبحت عدما