في الأخبار أن إحدى الجهات السيادية في مصر سربت إلى وسائل الإعلام ما اعتبرته وثيقة كشف عنها موقع «ويكيلكس»، وتضمنت أسماء عدد من السياسيين والحقوقيين الذين ادعت أنهم تلقوا تمويلا لأنشطتهم من السفارة الأمريكية في القاهرة. وهو ما اعتبرته الجهة المذكورة بمثابة «فضيحة» كشفت عن عمالة أولئك الأشخاص واستخدامهم من قبل أطراف خارجية لخدمة مصالحها وبعد نشر القائمة وتداولها على العديد من المواقع الإلكترونية، وبعدما تردد أن بلاغا قدم إلى النائب العام للتحقيق مع أولئك «العملاء». حدثت مفاجأة. إذ تبين أن الوثيقة مزورة وأن موقع ويكيلكس لا علاقة له بها. وان الجهة السيادية أرادت تشويه صورة أولئك الأشخاص لصالح حسابات سياسية معينة وبهذا الاكتشاف فإن الفضيحة الحقيقية كانت في الدور الذي قامت به الجهة السيادية، في سعيها لتشويه سمعة أولئك الناشطين واغتيالهم سياسيا.
لم تكن تلك المرة الأولى التي نجد فيها أن الجهات السيادية تلعب دورا في تسريب الأخبار وتشكيل الرأي العام المصري والعربي. فقبل عدة أيام (في 27/7) نشرت صحيفة الأهرام على صدر صفحتها الأولى معلومات منسوبة أيضا إلى إحدى الجهات السيادية تحدثت عن مؤامرة وهمية لتقسيم مصر تمت برعاية السفيرة الأمريكية بالقاهرة، التي قيل إنها جهزت اعترافا باستقلال «جمهورية مصر العليا». وهي خطة ذكر التقرير المنشور أنها تمت بالاتفاق مع نائب مرشد الإخوان خيرت الشاطر، كما أشار إلى أن سياسيين وصحفيين ورجال أعمال مصريين ضالعين في المؤامرة، وهؤلاء جزء من «الطابور الخامس» الذي يستهدف إفشال خطة الطريق التي أعلنها الفريق السيسي. وفي حين ذكر الخبر أن هؤلاء المتآمرين سيقدمون إلى العدالة خلال أيام، إلا أنه رغم مضى أسبوعين على النشر فإن قرارا لم يعلن بهذا الخصوص.
يلاحظ في هذا الصدد أن الخبر نشر في سياق حملة ضد الرئيس أوباما والولايات المتحدة التي اتجهت في إحدى المراحل إلى اعتبار ما جرى في مصر انقلابا وليس ثورة، الأمر الذي بدا تهديدا بقطع المساعدات التي تقدم إليها. وقد ذهبت الحملة في ذلك إلى حد الزعم بأن الشعب الأمريكي بدأ في الثورة على أوباما، وهو الخبر الذي ردده بعض وسائل الإعلام المصرية، وقطعت إحدى القنوات إرسالها لبثه.
في تاريخ سابق (22/7) سربت المصادر السيادية خبر صدور قرار من النائب العام بحبس الرئيس محمد مرسي 15 يوما بتهمة التخابر مع حماس، إلا أن مصادر سيادية أخرى سارعت إلى نفي الخبر جملة وتفصيلا وشككت في دوافع نشره حتى اعتبرتها من قبيل البلبلة التي تخدم أغراضا غير مشروعة. وحين تبين أن الخبر صحيح فإن التفسير الأرجح للتجاذب الذي تم هو أنه من قبيل التنازع بين الأجهزة السيادية المختلفة في مصر.
هذه نماذج لممارسات الأجهزة السيادية ودورها في تسريب الأخبار إلى وسائل الإعلام لتحقيق أهداف سياسية معينة بمظنة أن ذلك يخدم النظام القائم ويهيئ الرأى العام لاستقبال ممارساته، بهدف «تصنيع الموافقة» على حد التعبير الذي صكه الفيلسوف الأمريكي المتمرد نعوم تشومسكي. ولدى قائمة طويلة بالحالات المماثلة التي قامت فيها الأجهزة السيادية بالدور ذاته. وربما كانت شيطنة حماس في نظر المصريين وتعبئتهم ضد المقاومة الفلسطينية أحد أهم تلك الأدوار.
الشائع في الوسط الإعلامي أن الأجهزة السيادية هي الأجهزة الأمنية التي توصف ولا تسمى وتسمع ولا ترى. وهي ترتبط مباشرة بالمقامات العليا في النظام. ولذلك فإن ذكرها يشيع رنينا قويا مسكونا بالمهابة والخوف. وقد أعادت سطوتها في الوقت الراهن إلى ذهني مصطلح «وزارة الحقيقة» التي تحدث عنها الكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته البديعة التي كان عنوانها 1984.
وقد أصدر الرجل روايته في عام 1949 التي تنبأ فيها بمستقبل للعالم تظهر فيه جمهوريات «الأخ الكبير»، وهو الزعيم الذي يراقب كل شيء وتتولى أجهزته «السيادية» صياغة الواقع وتشكيله لكي يظل الجميع في قبضة النظام وخدمته. فلديها وزارة الحقيقة لإشاعة الأكاذيب وفرضها على الناس، ووزارة الحب التي تتعامل مع الناس بحسبانهم أرقاما وتجردهم من مشاعرهم الإنسانية، الأمر الذي عرض بطل الرواية وينستون سميث الصحفي الذي يعمل بوزارة الحقيقة إلى تعذيب مروع لأنه أقام علاقة مع زميلة له. ونجح علاجه حتى أصبح يطالب في النهاية بمعاقبة حبيبته «جوليا»، بعدما نجح التأهيل واختار الرجل أن يعيش بغير حب.
ما تقوم به الأجهزة السيادية يعيد إنتاج دور وزارة الحقيقة، وقتل الحب في الرواية من خلال وزارة الحب لا يختلف في شيء عن عملية الاقصاء واسعة النطاق التي تجري في طول مصر وعرضها، مع الاستمرار في التأكيد على عدم إقصاء أي فصيل. لدينا في مصر طبعة جديدة من الرواية، مزيدة ومنقحة، بإضافات لبعض المثقفين البارزين، الذين أصبحوا مع أجهزة الأخ الكبير«إيد واحدة»!.
