الأحد 04 يناير 2026 الساعة 06:34 م

مقالات وآراء

أحرار

حجم الخط
د. يوسف رزقة

"تموت الحرة ولا تأكل بثدييها". في هذا المثل العربي التاريخي بيان عالمي عن الأحرار في كل مكان . يقول المثل إنه ليس ثمة أغلى من الكرامة على الأحرار. كرامة الأحرار فوق الطعام والشراب، وفوق الحياة نفسها، الحر يموت صبرًا أو قتلًا ولا يفرط بعرضه أو بكرامته. الحر يصبر على الاعتقال والأسر والإيذاء ولا يتنازل عن كرامته. حبل المشنقة عند الحر أهون من أن يسترحم باطلًا لكي ينقذ بدنه من الموت أو من المعتقل، وقد ضرب لنا سيد قطب رحمه الله في هذا مثلًا بليغًا ما زال يتردد على ألسنة طلاب الحرية والكرامة في كل مكان .

 

ليس ثمة أغلى على المسلم من كرامته بعد عقيدته، بل إن الكرامة نفسها هي جزء من العقيدة، كما أنه لا كرامة بلا حرية، والعبيد هم الذين يتاجرون بعقيدتهم وبكرامتهم وبحريتهم، ومن هؤلاء اتخذ السلطان الجائر علماء يحللون له القتل بمسميات كاذبة كالخوارج والإرهاب. أمثال هؤلاء يأكلون من طعام الدنيا، ويشربون من شرابها بأعراضهم، حيث يهبونها لكل فاسق خبيث بيده من الدنيا سلطان غرور، وليس له في الآخرة من نصير، يوم يتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وتقطعت بهم الأسباب. ويوم يلعن الأتباع الأذلاء الرؤساء ممن تفرعنوا في الدنيا كذبا واستكبارا.

 

كرامة الأفراد لا تختلف عن كرامة الشعوب، وحرية الشعوب هي مجموع حرية الأفراد، والشعوب كالأفراد. تموت الشعوب حرة واقفة ولا تأكل بعرضها أو بكرامتها، فالشعوب الحية (الحرة الكريمة) لا تذل للعدوان، ولا تخضع للحصار، ولا تعطي قفاها للبسطار، بل تدافع عن حقها في الحياة الكريمة، وحقها في الحرية الإنسانية، وتأكل طعامها من فوق الأرض ومن تحت الأرض، من البر ومن البحر، من الأنفاق ومن المعابر، بعزة لا تقبل معها دنية، ولا تسلم رقبتها للصهيونية ولا لعملاء الصهيونية، وتدير معركتها بيقين النصر بعد التوكل على الله، وتنظر إلى (عكاشة) وأمثاله نظرة من يحمد الله على أنه عافاه مما ابتلى به كثيرًا من الناس ممن باعوا كرامتهم بدنيا غيرهم، وأكلوا بأعراضهم لحوم غيرهم.

 

غزة (الشعب والمكان والزمان) القطعة العربية الأكثر تذوقا للحرية والكرامة، لن تفرط بعرضها بسبب حصار قاس، أو منطقة عازلة، أو نقص حاد في الكهرباء والوقود ومواد الإعمار، بعد أن رموها عبيد الدنيا عن قوس، مستنفرين الأمعاء والأذلاء ليثوروا على الكرامة والحرية والمقاومة باسم الطعام والسولار والكهرباء، ظانين بغزة هاشم ظن السوء قاتلهم الله أنى يؤفكون .

 

غزة الشعب، وغزة الحرية والكرامة، تأكل طعامها وتشرب شرابها بكرامة المؤمن المتوكل على رب الطعام والشراب ورب الكهرباء والوقود، ولن تعطي الدنية في حريتها وكرامتها ودينها، ولن يغلب عسر يسرين بإذن الله، ولن يجعل الله للمعتدين على أهل غزة سبيلا. لقد عرفت غزة المحاصرة من البأس ما هو أشد مما يخوفوننا به فانتصرت وخرجت مرفوعة الرأس كريمة، وضربت المثل بقوة إرادتها، وذكاء مقاومتها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .