"كنا في الحكومة ولم نكن في الحكم". بهذا التعقيب السياسي البليغ لخص رئيس الوزراء إسماعيل هنية مشهد الحكم والسياسة في الفترة التي تولى هو فيها رئاسة الوزراء بعد الانتخابات مباشرة وحتى 14 \6 \ 2007 م.
في تلك الفترة لم تكن حكومة هنية تملك من أمر الحكم شيئاً، ولم يكن لها قرار نافذ لا في الأجهزة الأمنية، ولا في الوزارات، ولا في المعابر، ولا في السفارات ولا في العلاقات الدولية، ولا تملك مصدراً رسمياً للمعلومات يوفر لها المعلومة اللازمة لاتخاذ القرار المناسب. كان محمود عباس وحكومته الموازية وأجهزته الأمنية هم أصحاب القرار في كل شيء. وقد اشتكى إسماعيل هنية هذه الحالة الشاذة لرئيس السلطة، الذي لم يفعل شيئاً لأنه كان جزءا من المشكلة.
هذه الحالة التي لخصتها عبارة (كنا في الحكومة ولم نكن في الحكم)هي العبارة الأبلغ التي تلخص حالة محمد مرسي وحكومة هشام قنديل في العام الذي قضوه في الحكم، حيث كان قرار الحكم النافذ في يد قائد الجيش، والمخابرات الحربية، والدولة العميقة التي تأتمر بأمر الجيش.
لم يكن لمحمد مرسي وحكومة قنديل سلطة على القضاء، ولم يكن لهم تأثير في الإعلام الرسمي أو الحزبي، ولم يكن لهم سلطان على الجيش وقوات الداخلية، ولم ينفذ الجيش ولا الداخلية قرار الرئيس بحظر التجول في مدن القناة، مع أن مقترح إعلان حالة الطوارئ في المدن الثلاثة كان مقدماً من قائد الجيش، ولم تتوفر لهما المعلومات الاستخبارية عما يجري داخل الجيش والداخلية، ومكونات الدولة العميقة، ولم يستخلصوا العبر من الفشل في فرض حالة الطوارئ في مدن القناة، أو الفشل في ضبط الفلتان الأمني، أو فشل القضاء في محاكمة رموز عهد مبارك، أو فشل الحكومة في معالجة مشكلة الكهرباء والوقود، وهي مشاكل مفتعلة وليست حقيقية.
لم يستخلص محمد مرسي وحكومة قنديل العبر، ولم يتخذوا القرار المناسب لأنهم أداروا الحكم بعقلية رجل الدعوة، المصلح، ولم يديروه بعقلية رجل الدولة صاحب القرار الثوري. والفارق بين الرجلين كبير وخطير. وهذا أمر سنفصله لاحقاً.
كان محمد مرسي وقنديل غفر الله لهما قد تعاملا مع الدولة العميقة تعامل المصلح الذي يريد أن يستقطب المنحرفين إلى الصلاح بكلمة طيبة وبسلوك الصالحين، بينما يريد المنحرفون معركة استئصال لهما ولمنهجهما وينتظرون المواقيت المناسبة، واستواء المؤامرة.
لماذا انتهى محمد مرسي مختطفا أو أسيرا أو معتقلا بيد قائد الجيش، دون أن تتحرك الدولة لحمايته والذود عنه ؟! الجواب يقول باختصار لأنه لم يكن يحكم الدولة أصلاً، وهو أمر دلنا على حقيقته الإعلام الذي جعله مسخرة للناس ظلماً تحت مسمى الحرية الإعلامية، ودلنا عليها القضاء الذي تحداه وهدده وقلم أظافره وحل مجلس الشعب وأخر قانون الانتخابات إلى أن وقع الانقلاب.
لم يبادر مرسي وقنديل إلى الدفاع عن حقهما بالحكم الفعلي بحسب الدستور كما فعلت حماس وحكومتها، ووقفا موقف الدفاع ورد الهجمات الجانبية التي شغلهم بها قادة الدولة العميقة وحلفاؤهم في جبهة الإنقاذ، ولو اشتغلوا بحقهم في الحكم وعالجوا موانعه لمنعوا الانقلاب من الوقوع، ولما آلت الأمور إلى هذه المآلات الصعبة، التي أعادت حكم العسكر، وحكم مبارك، وأعادت الشعب وقواه الثورية إلى حالة ما قبل 25 يناير 2011، أو إلى واقع هو أسوأ من هذه الحالة.
