الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 08:48 ص

مقالات وآراء

قمة الفشل في الاختباء

حجم الخط
د. يوسف رزقة

تحدثت القدس العربي وغيرها عن الأسباب التي دفعت محمود عباس للعودة إلى المفاوضات دون أن يحصل على مطلبه في تجميد الاستيطان ، أو تحديد مرجعية المفاوضات بحدود 1967 م . ومن بين هذه الأسباب التي ذكرتها هذه الوسائل الإعلامية حالة الضعف العربي ، وحالة التمزق العربي غير المسبوق ، والذي ترجم نفسه بالتنصل من المسئولية في لقاء وزير خارجية أميركا بوزراء الخارجية العرب في الأردن مؤخراً وقبيل القرار الفلسطيني بالعودة إلى المفاوضات ، حيث اختبأ الوزراء خلف القرار الفلسطيني .

 

ومن هذه الأسباب أيضاً حالة اليأس والإحباط التي يعاني منها محمود عباس الذي يرفض قيام انتفاضة ثالثة ردّاً على التعنت الإسرائيلي ، ويأسه من الحصول على قرار إسرائيلي بتجميد الاستيطان ، إضافة إلى الضائقة المالية التي تعاني منها حكومته في رام الله .

 

هذه هي أهم الأسباب التي ذكرتها وسائل الإعلام ، وهي في نظري لا تحمل جديداً ، فهي أسباب قائمة منذ سنوات عديدة خلت ، الأمر الذي يجعلها غير مقنعة بما فيه الكفاية للإجابة عن سؤال : لماذا الآن ؟!

هذه الأسباب ليست غير مقنعة فحسب، بل هي ناقصة أيضاً ، وأحسب أن السبب الرئيس الذي يتهرب منه كثيرون يكمن في ضعف فريق القوى الوطنية والإسلامية المعارضة للمفاوضات ولهذه العودة البائسة .

 

محمود عباس يدرك حالة الضعف والتشرذم التي تعاني منها مجموعة فصائل العمل الوطني والإسلامي ، وهي حالة تمنعها من إنجاز موقف موحد ، أو إصدار بيان مشترك يرفض هذه العودة ويتبرأ منها . ومَنْ لا يملك جمع الأطراف على بيان موحد ، لا يمكنه أن يجمعها على خطة عمل وبرنامج مناهض لهذه العودة البائسة ، التي تستند إلى مخدرات شفوية نطق بها كيري في غرف مغلقة .

 

الضعف العربي ، والرفض الإسرائيلي ، وموقف عباس من الانتفاضة الثالثة أمور معلومة يدركها كل فلسطيني ، لذا فهي لا تصلح مبرراً لهذه العودة الآن ، ولو كان ثمة موقف قوي وعملي للمعارضة الفلسطينية على مستوى الفصائل أولاً ثم على مستوى الشعب ثانياً ، ما تجرأ عباس نفسه على هذا القرار البائس ، حتى لو كان الوضع العربي أسوأ من ذلك .

 

محمود عباس يشعر أن معه تفويضا من الشعب ومن الفصائل بموجب وثيقة الوفاق الوطني ، التي أعطته إجازة بالمفاوضات ، وهو حين يعود إلى المفاوضات إنما يمارس حقه وينسجم مع الصلاحيات التي منحها إياه التفويض والمنصب أيضاً ، وحسبه أن يجرى استفتاءً لاحقاً إن توصل إلى اتفاق تفاوضي .

 

وما يشعر به عباس أو يحسبه ، ومن حقه أن يشعر ويحس ، هو علامة على ما أسميناه ضعف الموقف العملي لمجموع الرافضين ، فلم يبادر الرافضون إلى نزع التفويض من يدي محمود عباس ، أو نزع الشرعية عن شخص يقوم بقرار منفرد مهدداً الموقف الوطني الموحد ، ومعرضاً الثوابت لمخاطر التفاوض في ظل موقف أميركي منحاز .

 

عباس يقود العمل الفلسطيني منفرداً بحسب قناعاته الخاصة حيث لا مؤسسة حقيقية، والفصائل مرتبكة ، ولم تجتمع معاً على موقف واحد ، أو بيان مشترك ، وكل فصيل يتصرف وفق مصالحه ، قبل أن يتصرف بحسب الرؤية الوطنية العامة ، رغم أن الأقلام تتحدث عن أوسلو (2) وما فيه من تصفية ، ويهربون من المواجهة بالقول إن المفاوضات محكومة بالفشل بسبب تعنت الموقف الإسرائيلي. وبعبارة أخرى هم يدافعون عن أنفسهم بالاختباء خلف الموقف الإسرائيلي ، وهذه هي قمة الفشل.