لم يتوفر لثورة ٢٥ يناير الزعيم القائد الذي يجمع في يديه مفاتيح التحول الثوري ،لذا قيل إن الثورة لم تكتمل ،لأنها ألقت بأمانة الثورة بيد العسكر ليقودوا البلد ،ولم يكن العسكر يؤمنون بالثورة ،ولم يرحبوا بنتائجها ومخرجاتها ،لذا وجدناهم في مواجهات مختلفة مع الثوار من ناحية ،ومع محمد مرسي الرئيس المنتخب من ناحية ثانية .
لقد نجح العسكر في الاستحواذ على الدولة بالانقلاب في 30 يونيو، ولكنهم في الوقت نفسه فشلوا في الاستحواذ على الشعب . لقد تمرد الشعب على الانقلاب ، وعلى حكم العسكر وخرج إلى الميادين بالملايين وهدفه استكمال ثورته ،وإعادة الحكم المدني ،وتطهير الدولة . يمكن للجيش أن يستولي على الدولة ولكنه لا يملك آلية الاستحواذ على الشعب، لأن الشعب لا يملك نفسه لأحد.
الجديد في ميادين الاعتصام الآن هو أن للثورة قضية ، وراية، وزعيم . وأعني بالقضية هنا هو الدولة المدنية ،والشرعية الدستورية ،وهي قضية قوية التأثير والجاذبية ولا يكاد يختلف عليها عاقلان. إنه لا حل للأزمة المصرية عاجلا أو آجلا إلا من خلال الدستور ،والدولة المدنية.
وأعني بالراية ما يجتمع الشعب على احترامه للرموز الإيجابية والوطنية المجتمعة فيه ،وأحسب أن ثورة ٢٥يناير قد شكلت من جديد هذه الراية وضمنتها كل الرموز الإيجابية والوطنية ، ولم تعد الثورة بدون راية واضحة تجتمع خلفها الأمة المصرية . وهذا وحده يمكنه أن يفسر لك أسباب خروج هذه الملايين المحتجة والمعتصمة في الميادين.
وأعني بالزعيم هو الرئيس محمد مرسي لأنه هو الرئيس المنتخب من الشعب والذي يحمل قضية الشعب بيده ،ويحمل الراية بيده الآخرى ٠ لم تعد الثورة بعد الانتخابات بدون عنوان ،أو بدون زعيم وقائد. الشعب يقف خلف الرئيس المنتخب ،حتى وإن اختلف المعارضون معه في بعض قراراته ،لأن هذا الاختلاف لا يسقط عنه القيادة والزعامة التي لم تتوفر للثورة أصلا في ٢٥ يناير .
الميادين في الحالة الثورية بعد ٣0يونيو هي الأقوى لأن الشعب فيها يمتلك قضية عادلة ،ويمتلك راية يقف خلفها ،ويمتلك زعيما مفوضاً عنها ،وفي المقابل لا يمتلك خصوم ثورة ٢٥ يناير من العسكر أو العلمانيين قضية ولا راية ولا زعيماً مفوضاً ،وهم يزيفون كل شيء بحثا عن شرعية تمنحهم الراية والزعيم المفوض .
ثمة فرق كبير بين من يمتلك الشرعية ومن يمتلك القوة . العسكر يمكنهم قتل خصومهم وقمعهم ،ولكن هذا لا يمنحهم الشرعية ،لذا فإنه لا شرعية لإدارة الدولة بالدبابة ،والشرعية الحاكمة والمفوضة هي التي تأتي من الشعب ،فيما يعرف بالعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين .
إن من يمتلك الزعيم ،والراية ،والقضية ،يمتلك عناصر النجاح ،ويمتلك فرص الانتصار ،ومن يمتلك السلاح يمتلك عناصر القهر والقمع فقط ،وثمة فرق كبير بين مفهوم النصر ،ومفهوم القمع ،وربما أدركت الأطراف المصرية ،والعربية والدولية هذه الحقائق ،وتلك الفروق ،لذا تجدها أكثر اقتناعاً الآن بالبحث عن حل سياسي يقوم على قاعدة الشرعية ،ولا يقوم على قاعدة الدبابة ،لذا جاءت أميركا وأوروبا إلى الميادين وإلى السجون تبحث عن حل وسط خشية أن يقع الأسوأ .

