الجمعة 09 يناير 2026 الساعة 03:18 ص

مقالات وآراء

الخروج من الفشل

حجم الخط
د. يوسف رزقة

ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة. نشوة الانقلاب ودعوات الاستئصال تتبخر وتتلاشى من خلال صمود الميادين السلمي. الحلول الأمنية تراجعت لصالح الحلول السياسية. (جيد) حكم العسكر ليس حلاً. وتفويض الداخلية بالقمع صار جزءاً من الماضي، ليس من اليوم بل منذ ثورة ٢٥ يناير المجيدة. عقارب الساعة لا تدور إلى الوراء، ومصر الشباب والميادين قالت لا تراجع عن المسار الديمقراطي، ولا عن الشرعية الدستورية .

 

الثورة السلمية التي ميزت الحالة المصرية كشفت أقنعة الإعلام والنخب التي حرضت على العنف والاسئصال والحلول الأمنية، وأعادت إلى هؤلاء أحجامهم الطبيعية، بعد أن عرفهم الشعب كله بسيماهم وبفلتات ألسنتهم، وبولائهم للدولة الأكثر فرحاً في العالم بسقوط محمد مرسي. ثورة الصمود والسلمية قالت كلمة الفصل وأنه لا بديل عن الحلول السياسية. وهنا أودّ أن أسجل بعض الملاحظات ذات الدلالة التي تحكي جانباً من التحولات المهمة في العشر الأواخر من رمضان :

 

أولاً - بدء مرحلة الحلول السياسية، بعد أن أدرك قادة الانقلاب أن البديل عن الحلول السياسية هو فشل ٣ يوليو فشلاً كاملاً، وبحسب القاعدة الشعبية "نصف عمى أفضل من كل العمى" تجري عملية استدراك ما يمكن استدراكه .

 

ثانياً- إقرار الأطراف المصرية والدولية بسقوط فكرة الحلول الأمنية في مواجهة الحشود الشعبية المليونية، وبدء عملية تعاون مصري محلي مع وسطاء دوليين من أجل بلورة مشروع تسوية سلمية آمنة، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، وأن مصر فوق الجميع، وأن المسار الديمقراطي يسع الجميع، لأن الشعب في النهاية هو الغالب.

 

ثالثًا- لقد فتحت تصريحات البرادعي عن الصفقة وتصريحات السيسي التي عاتبت أوباما على قاعدة القائل (وصلتونا لنص البئر وقطعتوا الحبل فينا). بحسب تحليلات البرامج الحوارية التي استضافت فيها الجزيرة وائل قنديل وحسن نافعة وآخرين. لقد فتحت هذه التصريحات بابًا للوفود وللزيارات من أجل بلورة الحل السياسي الممكن، وتوفير الضمانات اللازمة للأطراف.

 

رابعاً- الحراك الأميركي الأوروبي لإيجاد حل سياسي لا ينبع من قيم أخلاقية أو من مبادئ ديمقراطية، بقدر ما ينبع من استشعارهم لحجم المأزق الذي تعيشه مصر بعد ٣يوليو، والذي قد ينتهي بحل ثوري تنتصر فيه الميادين الشعبية من جديد ، وتنتهي معه الدولة العميقة بمكوناتها، وتنتهي معه مصالح واشنطن، مع تمرد شعبي على المعونة الأميركية، ومن ثمة سقوط كامب ديفيد.

 

خامساً- تراجع الجيش خطوتين إلى الخلف، وتراجعت الداخلية خطوة إلى الخلف بعد أن حصلت على تفويض بالحلول الأمنية. التراجع يكشف عن حالة ارتباك في إدارة الدولة وفي إدارة الأزمة التي نشأت عن قرارات ٣يوليو، وهو ارتباك استدعى الإمارات كما استدعى واشنطن، وألمانيا والاتحاد الأوروبي، كما استدعى مليونيات حقيقية ضاغطة باتجاه حلول وسط آمنة للجميع يتشكل معها مسار ديمقراطي بدون إقصاء .

 

سادساً- ثمة حالة من الوعي الممتد في قطاعات المجتمع المصري ترفض الانقلاب وترفض الحكم العسكري. وترفض جبهة الإنقاذ، وتمرد، وترفض ألاعيب المخابرات، والأحداث المفتعلة لتشديد القبضة الأمنية على البلد، وهي حالة بدأت تنصف محمد مرسي والإخوان بأثر رجعي، وتتفهم سياساتهم وتتقبل دورهم الوطني، وتفتخر بصمودهم وسلميتهم، وهي حالة وضعت إعلام الفلول والثورة المضادة في قفص الاتهام، كما وضعت الليبرالية والعلمانية في قفص الكذابين والمنافقين لخيانتهم لمبادئهم التي تعالوا فيها على محمد مرسي وعلى الدولة .

 

هذه بعض الملاحظات العامة التي تحكي جانبا من تحولات الثورة كما رسمتها الميادين بصمودها وسلميتها، وهي ملاحظات تنبئ بفتح طريق توافقي أمام الحلول السياسية، وأمام الربيع العربي أيضاً، والأمل أن يتحقق هذا مع هلال العيد ورحيل رمضان المبارك، أعاده الله علينا وقذ تحررت القدس، وأعاده الله على مصر وثورتها وقد تحققت آمالها .