الخميس 01 يناير 2026 الساعة 04:50 ص

مقالات وآراء

كيف أصدقك وهذا أثر فأسك ؟!

حجم الخط
د. يوسف رزقة

 (كيف أعاودك وهذا أثر فأسك ؟!) مثل عربي قديم يحكي قصة رجل تعاهد مع حية قتلت شقيقه على أن يسامحها، وعلى أن تعطيه يومياً بيضة من ذهب ، دخل التعاهد حيز التنفيذ لفترة ، ولما تذكر الرجل شقيقه القتيل حمل فأسه وضرب به الحية فقطع ذيلها ولكنه لم يقتلها ، بعد فترة ندم وطلب من الحية العودة إلى المعاهدة فقالت له رافضة بعد أن انهدمت الثقة بينهما : (كيف أعاودك وهذا أثر فأسك ؟!)

 

بعد ثورة 25 يناير 2011 المجيدة في مصر ، وإجراء انتخابات برلمانية، ثم شورية ، ثم رئاسية ، ثم الاستفتاء على الدستور، دخل المجتمع المصري بما فيه الجيش والأحزاب في تعاهد مشترك ، وتعاقد داخلي بين الأطراف على احترام الديمقراطية والالتزام بآلياتها، ومنها آليات التداول السلمي للسلطة ، واحترام دولة القانون والقضاء وفصل السلطات ، واحترام إرادة الشعب ، ونشر الحريات على أوسع نطاق ممكن .

 

تمتع المجتمع المصري لمدة عام كامل بالطعم اللذيذ لمفردات هذا التعاقد، وخاصة في باب الحريات وإن تجاوز فيها الإعلام المنطق السليم ، فعكر المذاق اللذيذ للحرية ، ثم خرج فريق من أطراف التعاقد بقيادة رئيس الجيش على العقد الاجتماعي والتعاهد الديمقراطي وقطع بسيف القوة قطعة من التعاقد وألقى بها تحت بساطير القوة العسكرية ، فلما احتج الشعب على المعتدي ،لأنه نقل الشعب من عالم الحريات السياسية ولذائذ السلامة الديمقراطية، إلى مضايق عالم الأمن والعسكر، فخرج الرافضون لحكم العسكر متظاهرين ومعتصمين ومنددين، فأرسل عليهم طائرة مروحية تسقط عليهم منشورات قصيرة تقول لهم من عاد إلى بيته فهو آمن ولن يلاحقه الأمن بالاعتقال .

 

الرد الشعبي من المعتصمين كان كيف أعاودك وهذا أثر فأسك ..؟! الشعب ما زال صاحب ذاكرة حية نشطة. هو يتذكر حكم العسكر في الستينيات ،وهو يرى بعينيه أيضا الاعتقالات ، والاتهامات الجزافية ، ووضع الحراسة على أموال القيادات الإسلامية ، ويرى كيف عاد التكتيم الإعلامي إلى سالف عهده القديم ، وكيف فقد الشعب جمال الحرية ، وكيف تمزقت خارطة الطريق كما تمزق المجتمع ، وكيف تقهقرت الديمقراطية ، وصار الجيش مصدرا رئيسا للسلطات ، ولم يعد للدستور قيمة ، ولم يعد للقانون سيادة ، وارتفع بسطار العسكر على رأس الشعب على نحو يشمل المؤيد والمعارض معا كما يتخوف المصريون.

 

المنشور الذي ألقاه العسكر في الميدان رسم الخارطة الحقيقية للمستقبل، وهي خارطة تقول إن حكم الأمن والعسكر عائد بقوة البندقية والسجن ، والديمقراطية كذبة كبيرة ، وحرية الإعلام وهم ، والدستورية تحمل بندقية وتركب دبابة .

 

من دخل بيت العسكر فهو آمن ، ومن دخل بيت البرادعي وجبهة الإنقاذ فهو آمن ، ومن التحق بحزب الكنبة فهو آمن ؟ ومن صلى في جماعة فلا أمن له ، ومن اعتصم في الميادين فالخرطوش له بالمرصاد ، وفترة الحكم مؤقتة ولكنها دائمة أيضا. سنة ديمقراطية مدة طويلة؟ و ثلاثون سنة من العسكر قصيرة ومحتملة؟! فكيف أعود معك إلى السجن وقد عافني الله من فأسك؟