ارتباك المشهد الإعلامي هو علامة على ارتباك الموقف السياسي، لأن الثاني أصل، والأول فرع. فحين تذهب المصادر الإعلامية كوكالة الشرق الأوسط وغيرها إضافة إلى (تمرد) إلى القول بتعيين محمد البرادعي رئيسًا للوزراء، وأن مؤتمرًا صحفيًا رسميًا سيعقد بعد قليل لإعلان ذلك، ثم يأتي المؤتمر الصحفي بنفي التعيين الذي أكدته المصادر، فهو علامة على ارتباك كبير في الموقف السياسي حيث تمخض عنه الشيء ونقيضه في ساعة واحدة.
المشهد الإعلامي كشف عن حالة فشل في إدارة الموقف السياسي المختطف، فقد قيل إن فاروق العقدة محافظ البنك المركزي، وكمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق وغيرهما قد رفضوا تولي منصب رئيس وزراء مؤقت في ظل الانقلاب وهذا رفض متوقع، وهو خيار كل شخصية كبيرة تحترم عقلها وتحترم الشعب، ولأن (البرادعي) شخصية محيرة تبعث على القلق فهو لا يصلح لهذا المنصب العام ، والضرورة لا تبرر وجوده ، لأن من يتولاه يحمل حملا ثقيلا.
المشهد المرتبك الذي تكشف عنه التعيين ونفيه بعد تأكيده لا علاقة له بموقف حزب النور السلفي على الأرجح، لأن دور حزب النور انتهى في لعبة الانقلاب بعد تصديقه على مرسوم الجيش بعزل محمد مرسي، ولا أعتقد أنه يملك الآن ورقة مؤثرة في المشهد وقد تفلتت منه قواعده وذهبت منه مصداقيته الإسلامية والديمقراطية أيضًا. فهو أول الخاسرين.
لا يملك أحد أن يصف المشهد المصري بالاستقرار وهو يرى الميادين تمتلئ بالمتظاهرين المنددة بالانقلاب وتحيط بها دبابات الجيش ومصفحات الأمن والشرطة، فالمشهد بعيد عن الاستقرار ،وهو أكثر من مرتبك حتى عند الواشنطن بوست التي قالت بأن محمد مرسي سيعود إلى منصبه، وهو كذلك في الإعلام العبري الذي يقول إن المشهد في مصر متحرك ولم ينته إلى صالح الانقلاب، مع سعادة بعض قادتهم بالانقلاب وحذر الآخرين. يقولون إن ارتباك المشهد الناتج عن حسابات خاطئة عند قادة الانقلاب قد أدخل الندم في قطاعات من الجيش بعد فشل توقعاتهم لردود الأفعال الشعبية للخارجين في مظاهرات الجمعة لاسترداد الشرعية، حيث قدرتهم BBCبثلاثين مليون متظاهر، وهو رقم خيالي. أضف إلى ذلك تحول مشهد الاحتجاجات من المستوى السياسي المطالب بالشرعية واحترام إرادة الشعب والناخبين إلى مستوى عقائدي بتحول الصراع إلى إسلامية وعلمانية، وهو تحول خطير لا ينته عادة إذا بقي الظلم يطارد الطرف الإسلامي، لذا فإن العدول عن الانقلاب أنفع لجميع الأطراف.
تحولات المشهد في نظر المتابعين زلزالية ولاسيما بعد تزايد الأعداد الرافضة للانقلاب بانضمام ليبراليين ويساريين يؤمنون بالمسار الديمقراطي إلى المحتجين، الأمر الذي يزيد في عزلة الجيش واتهامه بسرقة الثورة، ومن ثمة رفض القواعد العسكرية للمسألة برمتها من حيث المبدأ، وهو رفض يتسع بكثرة أعداد القتلى والجرحى حتمًا، لذا فإن فرصة تدارك الزلزال ما زالت قائمة بالعودة إلى المسار الديمقراطي، وبحلول وسط لما حدث والذهاب بالجميع وبالمجتمع إلى انتخابات برلمانية في أسرع وقت، وبرعاية الشرعية، وتعدد الشرعيات مكابرة مرفوضة في النظم اليمقراطية ومحرم في الإسلام.
