من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه . تجربتنا السياسية والديمقراطية الوليدة في فلسطين تقول إن رئيس السلطة وحركة فتح لم يقرا إقرارا كاملا في عام 2006 بفوز حركة حماس في الانتخابات، ولم يقرا لها بحقها في الحكم على مدى أربع سنوات ، فطالبت وطالب الرئيس بانتخابات مبكرة بعد ثلاثة أشهر من فوز حماس وتشكيلها لحكومة إسماعيل هنية. لم تتم الانتخابات المبكرة لأن الشعب رفضها ، ولأن حماس رفضتها ، ولما لجأت الأطراف إلى العنف بديلا حدث الانقسام ، وتوقفت العملية الديمقراطية ، فلا انتخابات برلمانية جديدة في غزة ، ولا في الضفة ، وامتد عمر الحكومة إلى ست سنوات حتى الآن ، وما كان مبكرا صار مؤجلا لإشعار آخر. هذا تطبيق عملي لتجربة حية في فلسطين لمقولة (من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه).
هذه التجربة نفسها تتكرر الآن في مصر حذو النعل بالنعل ،والحافر بالحافر ،فمنذ فوز محمد مرسي برئاسة الجمهورية وجبهة الإنقاذ وقادة الثورة المضادة لا يتقبلون فكرة بقاء مرسي والإخوان من خلفه في الحكم لمدة أربع سنوات .هم يرون أن هذه المدة قد تسفر عن نجاح اقتصادي وسياسي واجتماعي لمحمد مرسي وللإخوان ومن ثم يمكن أن يعيد الشعب انتخابهم لسنوات أربع آخرى؟!
قادة الثورة المضادة يستغلون رموز جبهة الإنقاذ ، وقادة جبهة الإنقاذ يستغلون رجال الثورة المضادة ، وتصريحات البرادعي أباحت التحالف مع الفلول ، لأن الهدف المشترك هو إسقاط حكم محمد مرسي والإخوان ، وحزب الحرية والعدالة ، وربما تطور هذا في الغرف المغلقة إلى إسقاط المشروع الإسلامي ،وتجريم الأحزاب والتيارات الاسلامية . ربما استطول هؤلاء صندوق الاقتراع ، ورأوا في السنوات الأربع عمرا طويلا مديدا لا صبر لهم عليه ؟ وربما هم ليسوا على ثقة بمخرجات صندوق الاقتراع القادم التي قد تعيد لهم محمد مرسي أو رئيسا إسلاميا آخر ،وهي احتمالات توجع البطون ،وتغلق آفاق التفكير الرحب ،وتلغي البدائل ،لذا قرروا الوصول إلى الهدف من خلال سيناريو (تمرد) لخلع الرئيس بطريقة غير ديمقراطية ، ربما تسفر عن عنف كالذي حدث في غزة،والذي انتهى إلى ما تعلمونه .
لفت انتباهي أن التحالف المضاد لمحمد مرسي يزعم أنه يمتلك (16 مليون) صوت يطالب بانتخابات مبكرة ،ولو كان هذا العدد صحيحا ،ولو كنت امتلكه حقيقة لما أزعجني بقاء مرسي ،ولما احتجت إلى مظاهرات حاشدة وإلى عنف نعرف بداياته ولا نعرف نهايته عادة ،ولدخلت بهم الانتخابات البرلمانية ،ثم الرئاسية ،وأنا على يقين أنني سأفوز في الأغلبية في المرتين ،وسأعيد الحرية والعدالة والإخوان إلى صفوف المعارضة .
نعم (لو) تفتح عمل الشيطان ،وما يجري على الساحة المصرية هو الشيطان بعينه .أحمد شفيق لم يحصل على هذا الرقم ،ولا أحسب أن أحدا سيحققه لاحقا في ظل الإسهال الديمقراطي ،وتعدد الأحزاب ،ولكن الشيطان سول لهم أن رقما كهذا هو رقم مرعب سواء أكان صادقا أم كان كاذبا ،وإذا لم يحقق الرقم النتائج المطلوبة ،فهو طريق للعنف، أو طريق لعودة الجيش .هذا قول الشيطان ،أما قول الحكماء فيقول من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
