الخميس 08 يناير 2026 الساعة 06:06 م

مقالات وآراء

ظلامية حماس وضبابية قادتها

حجم الخط
أيام عدة ونحن ننتظر ذلك اليوم.. ونحن نتخيل ذلك المشهد.. ونحن نرقبُ تلك الساعة. وجاء السبت الأخضر ووصلنا للحظة العزة والكرامة.. وكان تسونامي حماس الذي سحق كل الزيف والافتراء. 
وقدر الله لي أن أكون أمام الميكرفون في إذاعة صوت الأقصى، في يوم الانطلاقة، لم تكن مشاعري بيدي.. وما كان حديثي منبعه من لساني، بل كانت كلمات تخرج من القلب لتعبر عن حبي لهذه الحركة الربانية.
عندما دقت ساعة الصفر.. انطلق الزئير.. علا صوت الحماس، تأججت الحماسة في قلبي.. تشوقت عيني للذهاب للساحة الخضراء، خصوصا عندما بدأت الصور تُبث عبر الفضائية، تشوفت عيني للتحليق هناك.. وانطلقت الفرحة التي حاولت جاهداً بثها في قلوب كل جماهيرنا منذ ساعات الصباح الأولى، حينها شعرت بالسعادة رغم أن ما قلته لم يكن يكفي للتعبير عما يحدث.
كان المشهد رائعاً.. رايات خضراء في أيدي الكبار والصغار.. أوشحة تعلق على الصدور.. كلمات عز وفخر من قادتنا الكرام، بالفعل كانت لحظة عز ونصر وثبات أثبتت أن حماس هي حماس.. ودحضت كل ما يُشاع من أكاذيب مغرضة.
عجبت جدا عندما رأيت ذلك المشهد العظيم، لأنها رُسمت في ظل وضع صعب.. فالحصار الظالم الذي عوقب به شعبنا لاختياره لحماس حكومة، ما زال مستمراً بل إنه في أحلك ظروفه، ومع ذلك فالجماهير الغزية برهنت أنها مع حماس وأنها لن تتخلى عن هذه الحركة الربانية في وقت تخاذل فيه القريب والبعيد، جاءت ذكري الانطلاقة ومفردات الألم كثيرة.. جاءت وغزة تصرخ في وجه أمة المليار.. جاءت وغزة حزينة بائسة مجروحة، دمها لا يتوقف عن النزف، دمعها لا يكف عن الهطول، كيف لا والجمع يرمي غزة بسهام الظلم والطغيان.. المعابر مغلقة منذ شهور.. كيف لا؟ والحصار الظالم يُلقي بظلاله علينا والمرضى يرقدون على الأسرة البيضاء ينتظرون لحظة الموت، يرجون من الله أن يتحرك أصحاب الضمائر الحية؛ لينقذوهم.. ولكن يفاجئهم الرحيل مبكراً، فيغادرون بصمت.. وألمٍ على من بعدهم.. كيف لا؟ والناس تُحارب في أرزاقها، ورواتب يوقفها الظالمون بلا رحمة، كيف لا؟ والحرب النفسية التي تشن على أهل قطاع غزة في أشدها، تارة تهديد بقطع الوقود، وتارة بقطع الكهرباء وثالثة باجتياح قطاع غزة.

رغم كل هذا.. ورغم التشهير بحركة حماس، رغم الظلم والجور والبهتان، رغم إدعائهم بظلامية حماس، وإرهابيتها، وأنها ميليشيات خارجة عن القانون وعصابات وقُطاع طرق.. رغم المزايدات الإعلامية التي تتميز بالإبداع ضد حماس وقادتها من قِبل السُذج، رغم ذلك كله كان التلاقي والتجمع في الساحة الخضراء وكان دحض كل الافتراءات.. وكان الانتصار لخيار الحق..
وحدكم والمخلصون معكم تشعلون فتيل شمعة الغضب.. تسرجون قناديل الوفاء لثورة الأقصى من دمٍ لا زال ينزف كبرياءً، وعروقٍ لم تعرف الجدب.. تعبرون نحو عامكم الجديد.. تسافرون لمساكن الشهداء بين النجوم.. تستمدون من عبيرهم وياسمين قلوبهم زاد الصمود لعام جديد من المحن.
أيا كل الأبطال.. فلتستقبلوا عامكم الحمساوي الجديد بمزيد من الصبر والثبات.. ولتعلموا الذين يجهلون أن حياتهم موت، وموتكم هو الحياة، فلتعلموهم كيف يتجردون من عجزهم وخواء قلوبهم وتهالكهم على الدنيا.. وفي عامنا الجديد فلتعلقوا وصاياكم على جذوع الزيتون لتختلط بزيت يضمد شقوق الجراح، ويزيل التعب من أكف تحمل البنادق وتزرع العبوات..

أيها الأبطال وأنتم تعبرون عامكم الجديد كان لا بد أن تعيدوا للذاكرة أن الحركة الإسلامية وجدت في زمن غاب فيه الإسلام عن واقع الحياة، واختلت الموازين، واضطربت المفاهيم، وتبدلت القيم، وتسلط الأشرار، وساد الظلم والظلام، وتنمّر الجبناء، واغتصبت الأوطان، وغابت دولة الحق وقامت دولة الباطل، ولم يبق شيء في مكانه الصحيح. وجئتم لتسحقوا الباطل وليسود الحق ولتعود الأوطان، ولينطلق من فوق مساجدنا الآذان معلناً قيام دولة الإسلام؛ ليعود الناس والأشياء كل إلى مكانه الصحيح.
ولقد سرتم في طريق إحقاق الحق وإزهاق الباطل وإعلاء كلمة التوحيد، وما زلتم سائرين في طريق شعاره ' الله غايتنا والرسول قدوتنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمي أمانينا '
ومن الحق أن نعترف بأن موجة قوية جارفة، وتياراً شديداً دفاقاً قد طغى على بعض العقول والأفكار في غفلة من الزمن، فقامت مبادئ ودعوات، وظهرت نُظم وفلسفات، حاربت فكرة الإسلام في نفوس أبنائها، ومهمتكم الوقوف في وجه هذه الموجة الطاغية والعمل لدعوة السماء كل في مكانه وفي ميدانه وفي كل المجالات، وعلى كافة الأصعدة.

فلتعملوا ولتجتهدوا، فقد كثرت واجباتكم يا أبناء الحماس، وعظمت تبعاتكم وتضاعفت حقوق أمتكم عليكم وثقلت الأمانة في أعناقكم.. ومن هنا وجب عليكم أن تفكروا طويلاً وأن تعملوا كثيرا وأن تتقدموا على بركة الله.
يجب عليكم أن تؤمنوا بأنفسكم، وأن تعلموا منزلتكم، وأن تعتقدوا أنكم سادة الدنيا وإن أراد خصومكم الذل.
واعلموا أنكم لستم أضعف ممن قبلكم ممن حقق الله على أيديهم النصر للأمة، فلا تهنوا ولا تحزنوا وضعوا نصب أعينكم قول الله تعالى: 'الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل '

وأخيراً كل عام وأنتم بخير.. كل عام وأنتم صامدون.. كل عام وأنتم ثابتون.. كل عام وأنتم بخير يا أهل غزة.. كل عام وأنتم بخير يا أهل الضفة.. كل عام وأنتم بخير يا أهل فلسطين وكل عام وحماس وأبناء حماس أكثر ثباتاً وعزة..  حتما ستجدون في طريقكم الطويل كثيراً من الصغار فلنكتفي بسحقهم بأقدامنا، ومن ثم نمضي رافعين الرؤوس.
أحمد المدني