ماذا في مدينة القصير السورية؟ ما جرى في القصير ليس انتصارًا للنظام السوري ولحزب الله اللبناني؟ وليس هزيمة لكتائب الجيش الحر ،وليس تهجيرا لآلاف المواطنين ؟!ما نفيناه هنا هو ما على السطح فقط، لذا كانت احتفالات الضاحية بالنصر باهتة وحزبية فقط ولو كان ما حدث نصرًا حقيقيًا وقوميًا لفرحت به الأمة كافة إضافة إلى الشعب اللبناني.
ما حدث في القصير أغضب الأمة وآلمها، ومَنْ فرح به هم حلفاء النظام السوري فقط، وهؤلاء الحلفاء هم الآن في خصومة متزايدة مع بقية الأمة العربية والإسلامية، إضافة إلى الخصومة مع المجتمع الدولي، أو قل مع ما يعرف بأصدقاء سوريا. ما حدث في القصير إذن نصر خاص، وليس نصرًا لشعب أو لأمة. وهو نصر لا يمثل نهاية المطاف، بل بداية تدويل حقيقي للأزمة، وبداية انفجار برميل البارود الإقليمي.
أطراف لبنانية عديدة لم تعجبها احتفالات الضاحية، ولا تصريحات المسؤولين عن الإنجاز والانتصار، وهي تجهز نفسها لمواقف عملية ساخنة لتؤكد لمن يعنيهم الأمر أن الدولة اللبنانية للجميع، وليس لطرف واحد، وأن قرار العمل خارج الحدود اللبنانية هو للدولة حصريًا، وليس لأحد غيرها، ومن ثم فأنت أمام حالة من الاحتقان المتزايد تهدد بانفجار الساحة اللبنانية، بعد أن تبددت سياسة (النأي بالنفس) وذهبت أدراج الرياح.
فثمة مقاتلون من لبنان موجودون في القصير وغيرها، وثمة صواريخ عديدة يطلقها الجيش الحر السوري عبر الحدود على بعلبك اللبنانية، إضافة إلى قصف مروحيات النظام السوري لأهداف داخل لبنان استجلب استنكار رئيس الجمهورية اللبناني وأحزاب لبنانية.
ما جرى في القصير على مستوى الساحة اللبنانية السورية ليس نصرًا وليس هزيمة، وإنما هو بداية انفجار الأوضاع، وهو بداية لاستجلاب تدخلات عنيفة وردود أفعال مقابلة في الساحتين المذكورتين.
ما جرى في القصير في القراءة العميقة والاستراتيجية هو دعوة للتعجيل بالتدخلات الخارجية في الساحتين، وهو تعجيل بقرار إمداد الثورية السورية بالأسلحة النوعية، ومن ثم فهو ليس خطوة لتحسين المواقع التفاوضية في مؤتمر جنيف (2) بل هو إجهاض للحلول السياسية، وتعزيز للحلول العسكرية، وتحويل سوريا إلى ساحة حرب بالوكالة، أو قل إلى حرب ضروس تحرق وتدمر ما تبقى من الدولة ومن العمران ومن الحياة.
إن ما جرى في القصير هو بداية لارتدادات زلزالية لا يمكن قياسها مسبقًا، ولا يمكن أمن شرها، ومن ثم فالجميع عليه أن يبقى في العراء خارج المنازل والأبنية، يترقب بقلق المجهول القادم، لأن حالة ما بعد القصير لن تكون كما كانت قبلها لا عربيًا ولا إقليميًا، ولا دوليا، فقد توسعت دائرة الزلزال وتورطت أطراف عديدة في المشكلة، وبات الحل السياسي أثرًا بعد عين كما يقولون فيما انتهى وتلاشى.


