السبت 07 فبراير 2026 الساعة 08:02 م

مقالات وآراء

كارثة التحلُّل

حجم الخط
د. خالص جلبي

ما نراه هذه الأيام من التدمير في سوريا يرجع في فصوله الأولى إلى تحلل بطيء قديم؛ فكارثة التحلل في العالم الإسلامي لم تبدأ في طليطلة وسرقسطة، وفي إشبيلية أو بغداد، كما لم يدشن بهجوم خارجي، بل بتحلل داخلي بالدرجة الأولى. بدأ المرض منذ معركة (صفين) فالانشقاق الرهيب صدَّع العالم الإسلامي من يومها، وترك بصماته على العقلية الإسلامية حتى اليوم، وكانت هذه الجرعة السُّمية في عروق ضمير المسلم مدعاة لاختلاجات ونوافض وتشنجات لم تنته حتى الآن، فكل مظاهر المرض الإسلامي بدأت من تلك المعركة التي أصابت الضمير بالعطب، فأتلفت عديداً من الأجهزة النبيلة والخلايا الحية، والأعضاء الاجتماعية الحيوية. وفي رحم التاريخ، وفي تلك الظروف المشبوهة كتبت معظم ثقافتنا، التي يجب أن توضع تحت صرامة التحليل والعقل النقديين الآن، فكثير كثير من الأفكار (القاتلة) و(الميتة) مازالت تفعل فعلها فينا ودون شعور منا، لأنها مختبئة تعمل في الظلام ومن خلال آليات (اللاوعي) الاجتماعية.

 

إن المريض عندما تبدأ الحرارة عنده في الارتفاع لا يسقط طريح الفراش، لأنه يكون عندها في مرحلة المعاوضة وليس في المرحلة (السريرية) أي لا يحتاج لإدخاله المستشفى للعلاج في السرير، وهذا الذي حدث مع العالم الإسلامي وبالتدريج، الذي أصيب (التجرثم الدموي) مع معركة صفين، ليبدأ بالنوافض المجنونة مع الخوارج، والنزف العباسي، والحرارة الأندلسية، والغيبوبة المملوكية، والدخول في الصدمة والانهيار البونابرتي، وأخيراً (السرير) الاستعماري مع نهاية القرن التاسع عشر، ثم (التشريح) في قاعة العمليات، حيث جرت عمليات البوسنة (استئصال الأعضاء) أو زرع الأعضاء (زراعة إسرائيل)، ولا أدري هل انتهت العمليات ونُقلنا إلى العناية المشددة أم إلى ثلاجات الموتى؟ لا نستطيع أن نقول شيئاً، لأننا لا نعرف ماذا يجرى لنا، ولا نعرف ماذا يفعله سحرة الأمم المتحدة وقوى الاستكبار العالمية، ولا نملك العقل الخلدوني التحليلي.

 

إذا كان هذا التحليل الخطير صادقاً؛ فإن العالم الإسلامي انحدر إلى ما دون السلبي في المخطط البياني، كما في مخطط القلب الكهربي، وقد يكون علامة الموت ما لم ينعش القلب بالصدمة، فهل ما يحدث عندنا هو الصدمة؟