* مدخل
في حلقة سابقة بينا تواطؤ أمريكا مع النظام بينما يشاع بكثافة أن أمريكا راعية الثورة السورية، وهي أكبر أكذوبة في التاريخ.
إن أمريكا ترعى النظام لخدمة «إسرائيل»، ولذلك تعلن كل يوم أننا لا نملك الدليل على استخدام الكيماوي، ولا نعرف بيقين من يرتكب المجازر. وكيف عرفتم مرتكبها في دارفور؟ وكيف عرفتم مظلومية الشعب في جنوب السودان؟ وكيف عرفتم أن صدام يظلم الشعب العراقي؟ وكيف عميتم عن أن مبارك كان يسحق مصر وشعب مصر؟
كل يوم يرتكب الأسد مجزرة ولا تعلمون على وجه اليقين من الذي فعلها، فكيف تعلمون؟ وبأي وسيلة ستعلمون؟ وإن كنتم بعد سنتين من الموت اليومي المكثف للشعب السوري تقولون سنفكر بالسماح بتسليح الثورة السورية، فكيف تملأون الجو ضجيجاً أنتم وعملاء إيران وعملاء النظام السوري من أن الثورة السورية برعاية أمريكية؟ و»إسرائيل» تقصف ماذا في سوريا لا نعرف.
وهل تريد لهذا القصف إضعاف النظام أم خدمة النظام؟ ولماذا لا تحدث المجازر إلا في المناطق السنية؟ ولماذا الإرهابيون السنة لا يذبحون إلا أهل السنة؟ هل من أجل أن يشوهوا النظام؟ فلماذا لا يذبحون قرية علوية ويشوهوا النظام؟ ولماذا قرى العلويين لا يمكن عمل المذابح فيها؟ هل لأنها محمية؟ فلماذا قرى غيرهم غير محمية؟
وقبل أن ندخل في بحث موقف روسيا والصين نتحدث عن مستجدات واقع الثورة والجيش والنظام.
ويبدو أن إعلان نصر الله عن انخراط كامل لحزب الله في القتال في سوريا، وهجر جبهة القتال مع «إسرائيل»، والبدء بعمل مذابح في منطقة أهل السنة في شريط بانياس الساحلي، في عملية تطهير مذهبي ليخلو الساحل للعلويين لإقامة دولتهم المستقلة في حمص واللاذقية وبانياس وطرطوس وجبال العلويين كما سماها الفرنسيون، إقامة دولتهم إذا ساءت الأمور وتدهورت الأوضاع.
أقول: يبدو أن هذا الإعلان من نصر الله وحزب الله، متزامناً مع تجنيد النظام مليشيات من العلويين بالآلاف، وتوسيع أعداد الشبيحة مع مذابح بانياس، وتقدم جيش النظام في بعض المواقع، هذا كله في المنظور، ويبدو في الخفاء أن إيران ضخت مقاتلين والروس ضخوا خبراء عسكريين وتواطؤ أمريكا وسكوتها عن استخدام الكيماوي، كل ذلك يراد منه قلب معادلة المعارك وترجيح كفة النظام. ولماذا سكت حزب الله والنظام في وضع أحرج من وضعه الآن وتكلم الآن؟ ودول السنة كما يزعمون يتفرجون ويُتهمون بأنهم يدعمون الثورة وهم برآء من هذه التهمة براءة تامة.
* الموقف الدولي: روسيا والصين
ما يجري من قرارات دولية من تشكيل لجان لجنة في إثر لجنة، كلها مهل؛ لتمكين النظام من تنفيذ ما في رأسه ومخططه. ومن بين رؤساء اللجان كان الفريق «الدابي» وهو بعثي سابق، ورضيه النظام السوري، وسماه الناس «الدابة» على قدر ما هو منحاز للنظام في سوريا وأعمى عن الوقائع، والإبراهيمي معروف!
أقول: كانت أمريكا وأوربا تعلنان عجزهما أمام الفيتو الروسي والصيني الدائم أمام أي قرار يتعلق بسوريا، وهو كما تذكرون ذات الفيتو الذي اتخذ أمام غزو العراق، وداسته أمريكا عندما أرادت ومضت لا تلوي على شيء، أما الآن فهي تدعي العجز والشلل أمام الفيتو الروسي.
وليت القوة العظمى السابقة روسيا توقفت عند حدود الموقف السياسي واستخدام الفيتو، ولكنها انخرطت في الحرب إلى جانب النظام، فضخت مئة وثلاثين ألف خبير عسكري وسفن الأسلحة والتزويد بالطائرات لم يتوقف، وهي تحتل الساحل لتأمين إقامة دولة العلويين كما قلنا قبل قليل.
والصين يبدو أنها متوقفة عند حدود العمل الدبلوماسي والسياسي، فقد تكون هي أيضاً منخرطة في دعم لوجستي عسكري مع روسيا لسوريا. وهذا ما أرجحه. إن مواقف الدول الكبرى أو العظمى سابقاً، هو مجرد تبادل أدوار وتبادل مواقف. روسيا تدعم الدولة والنظام والجيش، والصين تدعم بثقلها السياسي والتقني والدولي والعسكري، وأمريكا تضغط على الدول التي تدعي أو تتهم أنها تدعم الثورة السورية؛ لئلا يزيد دعمها عن «المواد غير القتالية»، يعني البساطير. هذا هو الموقف الدولي، والآن تعلن أمريكا والأمم المتحدة عن تشكيل لجنة تقصي حقائق وتضيف أمريكا، أنه بعد أن يصدر تقرير اللجنة، وهي مهلة كافية للنظام ليقترف من الفظائع والإجرام ما يروقه ويحلو له، تقول بعد صدور التقرير لن تتسرع أمريكا والعالم معها في اتخاذ موقف. كل يوم يتضح التواطؤ، وفي كل خطوة يتضح التواطؤ.
الضغط على تركيا أكثر من شديد؛ لئلا تدعم الثورة السورية، ويهددونها بانفجار بركان العلويين في تركيا والأكراد معهم.
مؤامرة كونية فعلاً كما يقول النظام السوري لكنها لصالحه، لا كما يدعي كاذباً أنها مؤامرة ضده، واستمع ما يقول «ديمبسي» رئيس هيئة الأركان وتأمل التواطؤ: «إن منع الحكومة السورية من استخدام الأسلحة الكيماوية، يتطلب توفير معلومات استخباراتية واضحة وشاملة يكاد يكون الحصول عليها مستحيلاً..»، وقال أمام الكونجرس: «ليس لدي ثقة في قدرة القوات الأمريكية على تأمين الترسانة (الكيماوية السورية) نظراً لعدد المواقع الكبير!!». ولماذا سكتم عنه وأنتم تعلمون هذا وقت قتلتم صدام وليس عنده شيء؟
نعود إلى ما بدأنا به إلى حزب الله الذي فقد بوصلته، وعمي عن مصلحته، وورط طائفته، أكثر ما ورطها النظام العلوي.
يا هؤلاء ألا ترون المجازر وقتل الأطفال والاغتصاب؟ كيف تكونون حركة مقاومة ساعية للحرية والكرامة وأنتم أول من ينتهك الحرية والكرامة بدعمكم عدو الحرية والكرامة؟ أليس العلويون في دينكم ومذهبكم كفاراً، وهذه كتبكم وعقائدكم وتاريخكم أم إنكم ترون أهل السنة الأكفر؟ هل أنتم مقتنعون فعلاً أم تدعون الاقتناع، وتمثلون أنكم مقتنعون بأن النظام في سوريا مع القضايا العربية ومع التحرر العربي، وهل الشعب السوري هو أكثر الشعوب العربية تآمراً على داعمي قضايا العرب وداعمي المقاومة؟ أم إن الشعب السوري هو أنقى الشعوب العربية ولذلك كان أكثرها تضحية وأغلاها مهر حرية يدفعها من دماء أبنائه؟
أعمي السيد ومستشاروه عن أن الأسد الهالك ارتكب ذات المجازر؟ ألا تقرأون التاريخ ولا تدركون الجغرافيا؟ وإذا كان لك عند النظام السوري شأن وأنت كذلك فلتطلب فقط وقف الاغتصاب وذبح الأطفال، أم هذا في دينكم مباح؟
إن انخراطكم في نصرة المجرمين وصمة عار لن تمحى عن جباهكم، لو حررتم كل الأراضي المحتلة في العالم العربي. أبعد موقفكم من نظام الأسد يتقبلكم أحد؟ خابت صفقتكم، والشعوب العربية التي دعمتكم لما كنتم مشروع مقاومة لم تدعمكم إلا لأنها ليست طائفية، وهي مع كل مشروع مقاوم بقطع النظر عن أصوله العقدية. هذه شهادة للشعوب العربية وشهادة ضدكم أنكم أول من فجر كوا من الطائفية، وسعّرها، ألا ترون حقارة المالكي وإجرامه؟ لماذا يصيب أعينكم عمى، وتكسو أبصاركم وعقولكم غشاوة عندما يتعلق الموضوع بالطائفة؟
على كل حال، على نفسها جنت براقش، ووالله ما أردناها يوماً، ولا نريدها لا اليوم ولا غداً.
ولكن للمظلوم دعوة، وللمظلوم براكين غضب وثورة مع الدعاء إلى الله، ولن تكون النتيجة إلا نصرة المظلومين.
هذه شعاراتكم تنقلب اليوم عليكم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والحديث مستمر.

