الخميس 01 يناير 2026 الساعة 12:45 ص

مقالات وآراء

ليس عيدََ حماس بل عيدُ هويتنا!

حجم الخط
حركة المقاومة الإسلامية حماس ليست كأي حزب آخر في هذه الدنيا.
في التاريخ السياسي البشري المعاصر حركات سياسية عديدة حاربت وناضلت وقاومت من أجل حرية شعوبها؛ وضحت وقدمت الكثير في سبيل الخلاص. هناك بلاد كثيرة خضعت في هذا العالم لاستعمار مقيت؛ وقد توزعت هذه البلاد توزع خارطة الإمبريالية العالمية؛ وتمددت بحجم مرارة القهر والغصب الذي لف أربع أركان الأرض. وفي كل بلاد الدنيا التي احتلت انطلقت حركات تحرر ونضال قاومت ونالت الاستقلال. فما فضل حركة المقاومة الإسلامية حماس على هذه الحركات؟ بل ما فضلها على من اشترك معها في النضال والمقاومة في فلسطين نفسها؟
 
ليس العمل الجهادي الإسلامي لتحرير فلسطين مجرد قتال من أجل الحرية ودفع الظلم وتحقيق الاستقلال وانتزاع حق تقرير المصير. هذا القتال العقدي خطير ومهم بالنسبة لقضية التحرير؛ لكنه خطير ومهم أيضا على مستوى حفظ الهوية؛ وبدونه نحن نفقد مكونا أساسيا من ذواتنا، وتتعرض إرادتنا للشلل، وقدرتنا على المقاومة للإجهاض. وليست هذه حالنا وحدنا؛ فشعوب العالم العربي والإسلامي كانت ولا تزال تحمل هوية يشكل المركب الديني فيها عنصرًا أساسيا حاسما؛ وأي محاولة لإجابة سؤال الهوية وبناء الشخصية الخلاقة المعتدة بنفسها عند شعوب الهلال الإسلامي خارج إطار الدين والتدين ستبوء بالفشل الذريع. وأي محاولة لقراءة أحوال وصفات المجتمعات في بلادنا وفق قواعد علوم الإنسان الغربية – التي هي بطبيعتها علمانية إلحادية لا تقيم للأديان وزنا - ستفضي دائما إلى نتائج مزرية إلى حد الإضحاك في فشلها وبعدها عن الحكمة والصواب.
 
وحتى لا نطيل في التنظير المجرد أنا أرجو من القاريء الكريم أن يراجع معي تاريخ الأمة المعاصر وواقعها الأليم أيضا: انظر معي مثلا إلى العراق؛ فهل هرع الناس هناك لغير المساجد لمحاولة إطلاق مشروع يعمل على استنقاذ دار الخلافة؟ حدث هذا في بلد قمع فيه الدين والتدين على مدى عقود؛ وغابت عنه كل أطر وأشكال العمل الإسلامي. لكن ساعة انهارت الحواجز، وساعة سقطت الدولة التي تغولت على شعبها واغتصبت قيادته بغير وجه حق، هرع الناس إلى ما اعتقدوا أنه القيادة الشرعية التاريخية للأمة وهي المساجد! واستحق عجوز هرم يجب أن لا يغادر غرفة العناية المركزية لما فيه من أوجاع وأسقام – استحق صفة تمثيل الشعب هناك لمجرد أن شخصه ارتبط بشكل وظيفي إسلامي هو رئاسة ديوان الوقف؛ وبالرغم من أن المسؤولية عن الأوقاف ليست درجة علمية أو رتبة فقهية بحال! نحن نسوق هذا المثال المتطرف فقط لنصور عظم حجم اندفاعة الشعب العراقي – كأي شعب مسلم - نحو التدين؛ وإلا فليست كل خيارات العراقيين الإسلامية كانت عاجزة ومحدودة كخيار رجل الأوقاف المتعب. لجأ العراقيون للمساجد لتجميع المنهوبات والمسروقات من جامعاتهم، وأدت الجوامع دورها الحمائي. لجأ العراقيون للإسلاميين لإطلاق حركات المقاومة، ولا تزال هذه الحركات تؤدي دورها بكل قوة وبسالة... وليس كل التخريب الذي يقع الآن على العمل المقاوم إلا نتيجة لمحاولة محمومة خبيثة لسرقة حق الزعامة من قيادة الأمة الشرعية – أعني الإسلاميين المُضَحِّين – وتسليمها لهيكل مصطنع مفبرك لا يمثل الجمهور ولا يقر له الشعب بشرعية القيادة؛ سواء كان هذا الهيكل مجلسا للعشائر؛ أو حكومة أجرت الانتخابات تحت سنابك خيل فرسان جبل الهيكل والصليب!
 
وما يسري على عراق اليوم ينسحب على كل شعوب العالم الإسلامي اليوم وبالأمس وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هل فكرت أخي القاريء في التوافق العجيب بين تواريخ ضرب حركة الاخوان المسلمين في مصر – عامود العمل الإسلامي هناك - وتواريخ نكبات أرض الكنانة؟ في العام 1948 اغتال الحكم غير الممثل للأمة حسن البنا وضيق على الإخوان؛ وفي العام ذاته هزم الجيش المصري على أرض فلسطين هزيمة مذلة! وفي العام 1954 أسرت مخابرات المجرم صلاح نصر ثمانية عشر ألف إخواني مصري في يوم واحد؛ وكان هذا التجبر على ضمير الشعب مقدمة لانسحاق الشعب وهزيمته في العام 1956؛ حين احتل الكيان الصهيوني الناشيء ثُمُنَ مساحة مصر في أحد أكبر انتصارات العرب 'السياسية'... وكما كذبت علينا الدعاية الناصرية من أحمد سعيد إلى 'أحمد زكي'! وجدد النظام الغريب عن روح الأمة عداءه لقيادتها التاريخية من الإسلاميين في العام 1965؛ فجدد الله له الخزي والعار بعد عامين في قاصمة ظهر أضاعت فلسطين وأضعاف أضعافها مساحة من أرض العرب. دائما كانت المعادلة واضحة: بقدر ابتعاد القيادة التي افترت على إرادة الأمة وقرارها عن دين الله كنا نقترب من الهزيمة المذلة والفشل اقترابا مضطردا؛ وحين خَطَوْنَا نحو الله عز وجل في العام 1973 مرددين نداء الله أكبر في اقتحام خط 'بارليف' جاءنا نصر الله مهرولا يعدو، وانبسط لنا البحر والجبل ينادي على المجاهدين بشعار بدر 'يا منصور أَمِت أَمِت'! فإن انتكسنا عن نداء الإيمان سارعت أسباب التمكين بالفرار من أيدينا، وانسقنا إلى 'كامب ديفيد' كالأنعام بل أضلَّ سبيلا!
 
ومصر القرن التاسع عشر في سؤال الهوية لا تختلف عن مصر القرن العشرين. وحده الإسلام كان ملجأ الجمهور المسحوق حين نزل الغازي 'نابليون' أرضه مستبيحا كل حُرْمَة. سرعان ما انهارت الدولة الفاسدة، وفر أركان النظام المتضعضع – بشكل لا يختلف كثيرا عما شاهدناه على الهواء مباشرة في بغداد وسمعناه من جيل النكسة – ووحدهم المشايخ حينها من التقطوا الراية المغبرة التَّرِبَة فرفعوها؛ وأشعلوا ثورتي القاهرة الأولى والثانية، ووحده كان الإسلام وقود حرب المقاومة الباسلة التي أخرجت المصري من صفة الجبان الفار بنفسه وعياله إلى الصعيد، وألبسته ثوب الأسد الهصور الذي يجاهد حق الجهاد، ويصنع المدافع – كما شهد الجبرتي مؤرخ تلك الحقبة – ويحتاج 'نابليون' مع هذه الفدائية العارمة لأن يقتحم الأزهر بخيله ورَجْلِه، ويعدم مشايخه، ويحرق ما فيه من مخطوطات وكتب. كان الأزهر وقتها في أعز أيام عزه واستقلال إرادته! والجامع الأزهر الشريف هو وحده الذي كان موجودا لرد صفعات الفرنجة بلكمة اغتالت 'كليبر' حاكم نابليون العام على ميراث عمرو بن العاص...وبخلية من أربعة أفراد جميعهم من الأزهريين؛ واثنان منهم بالمناسبة من غزة الكريمة: الشيخان محمد الغزي وعبدالله الغزي!
 
فهل رأيت كيف أن الإيمان صنع مدافع لثوار القاهرة؛ تماما كما صنع اليقين بالله لكتائب القسام صواريخها التي تحمل الاسم نفسه؟!
وما يسع مصر يسع العالم العربي كله: فعمر المختار في ليبيا؛ والمهدي في السودان؛ وعبدالكريم الخطابي في المغرب وغيرهم من قادة حركات التحرر العربية – كل هؤلاء كانوا من الإسلاميين! حتى الجزائر التي ظننا بفعل سياسات التجهيل والتعتيم والقهر الإعلامي أنها تحررت بثورة الاشتراكيين – حتى الجزائر كانت ثورتها إسلامية صرفة تستلهم روحها من هذا الدين. وكان الجيش الفرنسي يعلن في بياناته عن المعارك مع المجاهدين وبكل صراحة 'أنه جرى اليوم قتل كذا من المسلمين'! فلم تكن فرنسا تجد صفة أليق بأعدائها من طلاب الحرية وأبطال الأوراس إلا أنهم 'مسلمون'! وحين تحررت البلاد كان أول لحن شعبي غناه الناس فيها قَوْلُهُمْ:
يا محمد مبروك عليك!
الجزائر رجعت إليك!
فهل كان هذا لحنا نشازا في محيط ثقافي يساري اشتراكي عارم؟ أم أنه كان تعبيرا عن الروح الحقة للثورة – تلك الروح التي تكالبت عليها أيدٍ كثيرة فخنقتها وجيرت الانتصارات لحساب من لم يكن يستأهل أن يكون قائدا للأمة!
وقد يقول قائل: ها هي فتح 'غير الإسلامية' قد بدأت النضال الفلسطيني وقاتلت ومارست العمل الفدائي ردحا طويلا من الزمن؛ وهي وإن صارت الآن مرتهنة لقيادة تسخرها في خدمة المشروع الصهيوني؛ فقد مرت من قبل أيام اضطلعت فيها فتح وحدها بريادة النضال والقتال!
وهذا الطرح يؤيد كلامنا ولا ينقضه أبدا؛ ففتح لم تنتعش أيام ازدهارها إلا بالالتحام الفعلي حينا مع روح الأمة؛ أو بالمتاجرة بهذه القيم العظيمة مع من جهل خبئية فتح من المغرر بهم من الجمهور! ففتح حين كانت تجذب الشباب الفلسطيني والعربي من كل أرجاء محيط فلسطين الكبير للإنخراط في معسكراتها، وحين كانت تجمع مال التبرعات، فإن ذلك كان يتم بعناوين كلها تتصل بالمسجد الأقصى والشهادة والقدس وفلسطين. بل حتى الاسم نفسه 'فتح' لا ينفك يداعب خيال العربي المسلم بما تحمله الكلمة من إشراقات أجمل أيام التاريخ الإسلامي العظيم!
 
والذي حدث أنه بالقدر الذي ابتعدت فيه فتح عن روح الأمة كانت فتح تبتعد عن كل الصفات النبيلة؛ وعن تحقيق دورها الذي قامت من أجله: 'تحرير الوطن الفلسطيني'! وكلما غابت أشواق الأمة الروحية فقدت فتح صفة الزعامة وأهليتها، وتعززت أوراق أصحاب مشاريع 'السلام' المشبوهة، فنموا كفطر سام من أول أيام فتح، واستطاعوا في أقل من عشرة أعوام من الزيغ التدريجي أن يطرحوا مبادراتهم التفريطية من أوائل سبعينيات القرن الماضي! واستمر التنازل عن قيم ديننا وثوابتنا واحدة فواحدة، وانسلخت فتح تباعا من موقع أهلية قيادة الشعب الفلسطيني حتى وصلنا إلى أيامنا هذه...أيام مات فيها سعد صايل وبقينا في خلف كجلد الأجرب! بقينا مع باعة السلاح أمام كاميرات التلفزيون؛ وصعلوك حقير مثل مدير مخابرات نابلس يفاخر أمام كاميرا القناة الثانية في التلفزيون 'الإسرائيلي' بأنه قد وضع حدا لحماس! لا وزاد ذلك الأَبْعَد بمناشدة أولياء نعمته الصهاينة أن لا يبعثوا قواتهم لاقتحام ما يقتحمه هو وجلاوزته من مؤسسات حماس؛ حتى لا يبدو الأمر كما لو أن عبدالله كميل هذا عميلٌ للصهاينة!!!
 
إذًا المعادلة بسيطة: بالإسلام تعلو وتحتل المكانة المرموقة أيها العربي؛ وبدون هذا المكون الروحي الخطير يصدأ معدن الإنسان ويغرق في الخبال والسفال...ويصبح مثل ذلك القيادي (لا يظهر على الشاشة حتى 'يلغمط' وجهه بطبقة ظاهرة منفرة من المساحيق) وهو يتحدث أمام أعضاء من حركته؛ ويطمئنهم بكل أريحية أن 'أنابوليس' سيفرض نفسه على الصهاينة حتى لو بنوا المستوطنة في 'أبو غنيم'؛ فهم ساعة يحين الاستحقاق سيفككون كل المستوطنات كما فككوا 'ياميت' في سيناء!
سبحان الله في هذه النفس الخبيثة: تدع اللحم الحلال وتنهش لحم الخنزير المتعفن نهشا! تدع سبع عشرة مستوطنة فككها الصهاينة في ليلة ليلاء في غزة ودون قيد أو شرط بسبب المقاومة؛ ولا تموت شوقا إلا إلى 'ياميت'!
 
لكن لا عجب! فقد غاب الإيمان بالمشروع الإسلامي وغاب الإيمان بالاسلام حلا حاسما فربحنا تخرصات اللجنة التنفيذية و'لغوصات' المجلس المركزي أو 'الماركسي'، لا فرق!
وأنا لا أعرف كيف يجد بعض أدعياء الثقافة الفلسطينيون والعرب قدرة عجيبة على التحامق؛ وقدرة عجيبة على إنكار حتمية الخيار الإسلامي لدى أبناء الجمهور المسلم. كيف يستطعيون ذلك بينما عدو الأمة يؤسس وجوده على قاعدة دينية صرفة! ويقيم دولة تحمل اسم نبي من التوراة، وهي دولة ليس لها دستور، لأن الأحزاب الدينية تصر على أن التوراة هي الدستور! وهي دولة محرم فيها العمل يوم السبت، ومحرم فيها على الجيش طبخ الطعام يوم السبت !
تقول يائيل دايان في (مذكرات جندي): 'أكلنا طعاما مطهوا يوم السبت 3 يونيو حزيران بتصريح خاص من (الحاخام الأكبر)!!!
جيش 'إسرائيل' الذي يمتلك القنبلة النووية يمتنع عن طبخ الطعام يوم السبت! وبينما نحن أقمنا دولا تدير إعلاما يصنع المستحيل للحط من اللغة العربية – وعاء هويتنا الأول – جعل الكيان الصهيوني من لغة ميتة مبتعثة من الأجداث لغته الرسمية! فدرس الصهاينة بالعبرية علم الصواريخ, وكيف يتم إفساد عمل الرادار، وكيف تضرب الطائرات على المدرجات! وألّفوا بهذا اللسان الثقيل أدباً نالوا به جائزة نوبل العالمية!
 
هذا ما صنعه الكيان الغاصب...أما نحن ففرطنا في كل ثوابتنا وطرحنا كل شيء على طاولة المفاوضات! وحين تمسك 'الأب القائد' بما فوق الحرم وتنازل عن عكا وحيفا ويافا قلنا أنه صمد في 'الكامب'! (رغم أنه عاد ولان في طابا بعدها بشهور؛ لكن 'مش مهم'!)
وحتى تكتمل سياسة تخريب النفوس وضعنا أمانة الإعلام والتوجيه وبناء الشخصية في أيدي أمثال 'حافظ البرغوثي' و'نبيل عمرو' و'أحمد الجار الله' و'عبدالرحمن الراشد' إلى آخر السلسلة! فحتى متى؟!
 
لكن مهلا! ففي فلسطين الآن حركة فتية بلغت العشرين من عمرها بعدد السنين؛ ومضى من عمرها عقود وحقب وقرون طوال إذا ما قيس العمر بالإنجاز والبناء. حركة حماس أعادت النضال الفلسطيني إلى جادة الصواب، وفجرت طاقات وآفاق جديدة للعمل المقاوم، لكنها فوق ذلك كله صححت حركة التاريخ الفلسطيني العربي المسلم، وشرعت في إنقاذ الهوية الفلسطينية والشخصية المميزة للإنسان العربي المسلم في فلسطين من الضياع والاندثار. إنطلاقة حماس وتعزز نفوذها هو إحياء لسنة مضت في هذه الأمة في تاريخها القديم وتاريخها القريب؛ وستبقى ماضية إلى يوم الدين: إنها سنة 'نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله'!
ولا تحسبنَّ قيام حماس بهذا الواجب الشرعي مجرد تسديد خانات أو بعض حركة انفعالية لطاقم سفينة توشك على الغرق؛ من نحو ما حصل مع آخر المقاتلين على أسوار غرناطة أو بقايا جنود 'عُرابي' في معركة التل الكبير. إن ما يميز البناء الحماسي هو أنه بات الآن ضاربا في جذور الوعي الفلسطيني؛ حتى لا تستطيع تصور مشروعٍ لتحرير فلسطين تغيب عنه حماس أو الإسلاميون! وإن كنت لا تصدق فاسأل أعداءها من 'أيتام دايتون' (صحيح أن دايتون تقاعد من مهمته؛ لكنه يبقى أباهم الأول!) فإن لم تكتف فاسأل عن خبر حماس عدوها 'إسرائيل' – والفضل ما شهدت به الأعداء – فإن لم تنل شِبْعَكَ فدونك أمريكا وأوروبا وكل القوى الكبرى التي تجتمع على حرب حماس؛ ويصر معظمها – ما عدا روسيا وبعض الدول الأوروبية - على أن لا يسمع صوت الشعب الفلسطيني؛ ويصر على اقتصار مائدة الحوار مع فلسطين على ضيوف ثقال – ظلا لا حجما! – من طراز 'حزب الشعب'، ومنظمة 'ياسر عبدربه' المقفلة (مساهم واحد فقط!) لبيع الأوطان...
 
فهل هناك شهادة بأهمية الدور ومركزيته؛ أكبر من اجتماع كل هذه الفرق المحلية والإقليمية والدولية على حرب حماس؟ هم كلهم يدركون خطر حماس على مشاريعهم المعادية للأمة، ورأوا في تجربة حية كيف أن الإسلامي في فلسطين لن يقوم بدوره على أكمل وجه فيقاوم ثم يغني الجمهور 'يا محمد مبروك عليك'، ثم يساق الإسلامي بعدها للذبح أو الإقصاء! كلا وألف كلا! في فلسطين يبسط الإسلامي يده لكل إخوانه طلبا للصلح والتوافق؛ ويصفح مرة وكرة وأخرى، لكن إن رابه من 'أيتام دايتون' ريب فإنه يطوي صفحتهم ولا يسمح لأي يد بأن تمتد للمشروع الإسلامي بسوء! فهو مشروع التحرير وهو 'حجر الفلاسفة' لكرامتنا أيضا!
ويقوم الإسلامي الحماسي بمهمة حمل الرسالة الإسلامية بإبداع وإتقان لا يجعله محل أمل الفلسطينيين وحسب؛ بل يضعه على صدارة طموحات المسلمين في كل مكان. عرفنا ذلك وقرأناه في كل العيون التي بكت دموعا حرَّى على شهادة الشيخين الرنتيسي وياسين...وشاهدناه في قسمات وجوه أبناء الأمة في كل مكان...أبناء الأمة من كل جنس ولون وعرق وإقليم...وهم يسألون عن أخبار أشباه الصحابة، وأنباء أحفاد المهاجرين والأنصار، ممن سطروا قصص عمليات الأنفاق، وأساطير العمل الاستشهادي، وجاهدوا في الله بكل ما أوتوا من أسباب، وأعتذروا لله سبحانه وتعالى والأمة والتاريخ جَهْدَهُم!
 
ولا عجب، فليس رباط هذا الفرع من أبناء الأمة بالدين حتميا فقط للاستقراء السريع الذي ساقه الفقير لربه؛ بل هو حتمي أيضا بشروط الجغرافيا القاهرة والتاريخ الملزم! يشهد بذلك الكتاب والسنة والإسراء والمعراج والمحشر والمنشر والقبلة وزكريا وعيسى والصديقة مريم عليهم السلام! ويشهد بذلك أمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح وعمرو ومعاوية وخالد وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان مع آلاف الصحابة الآخرين رضي الله عنهم؛ إذ وقفوا مكبرين على سفح الجبل حين رأوا وفد عمر الفاروق قادما على الطريق من بيت لحم لتسلم مفاتيح إيلياء!
وبعد؛ فنحن ننظر للحاضر فنرى تحديات جسام ودماء زكية تبذل، وننظر للمستقبل فنرى تضحيات عظيمة توشك أن تتجسد، وكعادتها ستعطي حماس من دماء قادتها قبل دماء قواعدها وأنصارها...وكما نعجز الآن عن تعداد أسماء أعضاء المكتب السياسي والقادة الميدانيين والفكريين من حماس والذين قضوا شهداء في سبيل الله بصواريخ الاحتلال؛ فستطول هذه القائمة بأسماء أعلامٍ جدد؛ وأسماء غيرهم من الأبطال المغمورين من خاملي الذكر في أوساط أهل الدنيا مثلي؛ وخالدي الذكر عند الملأ الأعلى بإذن الله...ونحن لا نقول هذا الكلام لأننا اطَّلعنا الغيب؛ بل هذه فقط قراءة استشرافية لطبيعة دور حماس وسنن الكون في أمثال أصحاب دعوة الحق مثل حماس!
 
لكنني أقسم بالله العظيم أن هذه التضحيات الغالية العزيزة لن تنقص من موعدنا الناجز مع النصر قيد أنملة! نصر الله قادم حقيقة واقعة شاء من شاء وأبى من أبى؛ وهو حق إن شاء الله ستذعن له الأعناق الطوال لأئمة الكفر، وستندق بحرارة عزمه كل القامات المتقزمة للعملاء في فلسطين وظاهر فلسطين! سيطيح 'تسونامي' المقاومة العارم بكل من آمنوا بأن 'تسعة وتسعين في المائة' من أوراق الحل في يد أمريكا؛ ظنا منهم أن مقادير الأمم أراجيز تحسم بنسب يفبركها زعيم كذاب زور الانتخابات، وفاز للصدفة المحضة بنفس النسبة المضحكة لقدر التمكين الأمريكي الأخرق!
 
نعم سنضحي وسنخسر بحسابات الدنيا المادية دما ومالا كثيرا؛ لكننا عرفنا الطريق وسنلزم؛ وسنمضي في مشروع تحرير فلسطين ورفع قامة الأمة؛ وسننهض بفلسطين وبالأمة من ورائها. لقد ارتطمت الأمة بقعر دورة السقوط منذ عقدين؛ ومن حينه؛ من يوم انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى وانطلقت حركة المقاومة الإسلامية حماس بدأنا دورة الصعود ولن يحول بين هذه الأمة وإعادة إحياء مجدها حائل! وإن كان أحفاد أبي رغال والكيان الصهيوني سيضربون حماس والمشروع الإسلامي بمال الشيطان؛ ونفوذ إبليس؛ وأسلحة البغي؛ ووقود العدوان؛ فسنضربهم بإذن الله بحول الله وطوله: 'كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية...ناصية كاذبة خاطئة...فليدع ناديه...سندع الزبانية...كلا لا تطعه واسجد واقترب'!
وبهذا المعنى جاءت الكلمات التي ختمت البيان رقم واحد للانتفاضة الفلسطينية المعاصرة الأولى. يقول البيان التاريخي: (وللصهاينة المجرمين: ارفعوا أيديكم عن شعبنا – عن مدننا – عن مخيماتنا - عن قرانا...معركتنا معكم معركة عقيدة ووجود وحياة. وليعلم العالم أن اليهود يرتكبون الجرائم النازية ضد شعبنا؛ وأنهم سيشربون من نفس الكأس. 'ولتعلمن نبأه بعد حين')
 
ولا غرو؛ فتلك انتفاضة المساجد؛ وهذا بيان كُتِبَ بمعية أحمد ياسين شيخ شهداء فلسطين؛ بل بعض جمله كتبت بخط يده الكريمة!
فهل نستكثر بعد هذا كله على الأمة أن تفرح بعيد حماس؟ أليس عيد حماس هو عيد هويتها وبعثها الجديد وعزها المقبل؟
هو كذلك إن شاء الله... إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا!
  
 
رشيد ثابت 
14/12/2007