"لو إنه في اسرائيل كان سحبوا رخصته".. عبارة روتينية نسمعها من سائقي العمومي القدامى عندما نقابل سائقاً مخالفاً أو سيارة تقذف خلفها سحاباً كثيفاً يمرض القلوب ويزيغ الأبصار من محركها المتهالك والسائق لا مبالٍ, فهؤلاء السائقين الأَكفَاء الذين عملوا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يمتدحون "المنظومة المرورية المتكاملة" داخل الكيان ولا يرون فيها ظلماً ولا إجحافاً بحق السائق والمواطن بل هي اجراءات "راقية" لأناس يحترمون أنفسهم ويحترمون النظام والقانون الذي هو فوق الجميع.
المفارقة العجيبة هي لنفس السائق صاحب العبارة السابقة الذي ما إن يرى حاجزاً لشرطة المرور فإنه يولي هارباً من أحد الشوارع الفرعية وذلك لأنه وسيارته مخالفان للقانون فالسيارة غير مرخصة وربما بها أعطال تشكل خطراً على من يركبها, وإن واجهت السائق الهارب بالسؤال عن عدم التزامه بالقانون الذي يفترض أن يحترم, تكون الإجابة متنوعة من سائق لآخر, فهناك من يرى أن السيارة بالكاد تفي بمصروفها, وآخر عليه مخالفات غير مدفوعة وغيره يرى أن الحكومة تستغله, فالأعذار موجودة كما المخالفات.
ولنكون صريحين مع أنفسنا دعونا نلقي نظرة على شوارع غزة التي تعج بمختلف أنواع السيارات الحديث منها وحتى المتهالك مما جعل الازدحام المروري روتيناً يومياً في أيام غزة, ولهذا الازدحام الخانق أسباب متعددة منها:
السيارات التي عفا عليها الزمن والتي تمشي وخلفها مدخنة من السموم تكدر صفو الأرض والجو.
السيارات الحديثة التي تنقل الركاب دون الالتزام بخط سير معين وتزاحم سيارات العمومي الداخلي والخارجي والتي يكون سائقوها غير مؤهلين للعمل كسائقين مؤتمنين على أرواح الركاب.
الشاحنات و المقاطير التي ترى أن كل شوارع غزة متاحة لها, فهي إن حشرت نفسها في مفترق أو شارع للسيارات الصغيرة بإمكانك تصور الاختناق المروري الذي تحدثه.
ظاهرة "التكاتك" و "الدراجات النارية" غير المرخصة هي وأصحابها خصوصاً التي يمتطيها المراهقين وصغار السن للاستعراض والمباهاة.
كل الظواهر السابقة ما كنا لنلمسها لو كانت هناك منظومة مرورية متكاملة تعمل على مدار الساعة وهنا لا نتحدث عن الحملات الموسمية مثل فصول السنة ولكن نتحدث عن منظومة شاملة متكاملة تحفظ لكل ذي حق حقه, فقبل الحديث عن مصائب الدراجات النارية يجب الحد من استيرادها وحظر بيعها دون ترخيص حتى لا تضطر الحكومة لمصادرتها وإثارة حنق الناس عليها فإن درهم وقاية خير من قنطار علاج, وقبل الحديث عن إعدام السيارات المتهالكة يجب توفير تسهيلات للسائق للحصول على سيارة حديثة, فنحن لسنا في دولة صناعية مرفهة.
قبل أيام انتهت ورشة عمل لوحدة التخطيط والبحوث في وزارة الداخلية بعنوان "نحو منظومة مرورية متكاملة" يؤكد منظموها أن العمل بها سيبدأ قريباً ومن أهدافها العمل بشكل شامل متكامل على مدار الساعة ما يستهدف كل شارع وكل مسلك وذلك بالرادارات والكاميرات والعناصر من الشرطة المدنية حتى تتم صياغة مفهوم حضاري لاحترام القانون كما هو موجود في الدول التي تحترم شعوبها, فالسيارات العمومية المتهالكة سيكون هناك تسهيلات لأصحابها لاقتناء سيارات جديدة ومناسبة, ولن يكون هناك فوضى في النقل العمومي ومن يعمل خارج نطاق رخصته تتم مخالفته, فبدءاً من الدراجات النارية وحتى الشاحنات سيكون هناك قانون من يحترمه يكون سيد الطريق ورائده ومن لا يحترمه لن يجد له مكاناً على طريق يحترم القانون, فهذه المنظومة ذات النفس الطويل وإن كانت صعبة إلا إنها ليست مستحيلة حسب رأي وحدة التخطيط والبحوث في وزارة الداخلية.
ختاماً ياصديقي, أي قانون على وجه الارض لا ينجح إن لم يكن احترامه نابعاً من داخل من سيطبقه, خصوصاً القوانين التي تمس أرواح الناس وممتلكاتهم, فربما يأتي يوم نستغني فيه عن الاشارات الضوئية وعن شرطي المرور لنكون نموذجاً يحتذى به بين الشعوب وإلا سنبقى مزدحمين و"مكانك سر" على إشارة حمراء.
