الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 10:14 ص

مقالات وآراء

نقاط مخفية وحروف مبتلاه

حجم الخط

تسيطر على الساحة الفلسطينية في الداخل والخارج قضية الانتخابات بحيث أصبح الحديث فيها يشغل الشارع الفلسطيني بكل أصنافه وأطيافه بدءاً من المواطن البسيط الذي لا يعبأ ولا يلقي بالاً إلا لقوت عياله وحتى السياسي الكبير المحنك مرورا بالتنظيمات والمؤسسات والتجمعات المختلفة, ولكل طموحه وأهدافه ومنهجه, لكن إذا وقف كل منا أمام نفسه وضميره فغالباً ما يرجح المصلحة العليا سواء كانت مصلحة الدين أو الوطن.

 

فعلى سبيل المثال المواطن البسيط الذي يسعى لقوت عياله ولا علاقة له بأي تنظيم كل همه ان يأتي للحكم من يوفر له الحياة الكريمة ولكنه يستغني عن الرفاهية ويستأثر الجوع والألم مقابل الحفاظ على الشيء الأكبر ألا وهو كرامته وعزته التي يشتهر بها كل فلسطيني حر وهذا ما حدث فعلاً خلال الفترة السابقة, فالمواطن العادي البسيط هو من احتضن المقاومة وصواريخها ومجاهديها ولم يتذمر رغم ما لاقى من العذابات والآلام, لأن هناك ثوابت وكرامة أكبر من تلك المحن والعذابات.

 

لكن ونحن على أبواب مرحلة قادمة بتنا نسمع بعض الأقاويل من هنا وهناك عن إخفاقات حكومة وحماس وبأنها جوعت المواطنين "الغلابة" وركبت "الكايات" وأن هناك "فساد" في الوزارات ومؤسسات الحكومة وأنها أخذت فرصتها ولم تقدم سوى الجوع والتعب للشعب, كما كنا نسمع قبل حرب حجارة السجيل بأن القسام نام ولم يعد بحاجة للجهاد بعد أن ركب "الكايات" ولكن أتت حجارة السجيل لتخرس أفواه الرويبضة المزاودين بعد أن قلع أعينهم الزائغة مشهد سيارة الكايا الخاصة بالقائد العظيم أبو محمد الجعبري وهي تحترق بعد القصف أما الجعبري فقد أصبح مثالاً يحتذى للعزة والكرامة والكبرياء.

 

نعم هناك أخطاء في أي حكومة, ولكن من لا يعمل لا يخطئ خصوصاً بالتجربة الأولى كما يجب التفريق جيداً وبوعي بين المنهج والسلوك, لهذا كان لا بد من وقفة نضع فيها النقاط المخفية على الحروف المبتلاه, فكما نعرف أن حكومة حماس بدأت عملها وتجربتها "الأولى" في الحكم وهي تواجه "رقاصي الخمسة بلدي" و "خفافيش أبو غلوة" و الأقلام المدسوسة كقلم "شاكر الحيران" وأبناء الشوارع في الداخل, لكنها بمنهجها وصلابة عقيدتها وإخلاصها انتصرت واستأصلت تلك الدمامل الغريبة, أما على صعيد الخارج فحدث ولا حرج فمن تضييق وحصار وإغلاق للمعابر واغتيال ورصاص مصبوب تحول لفرقان وختاماً بعمود السحاب الذي ردته لهم كتائب القسام حجارة من سجيل.

 

فلو أردنا الحديث من باب الإنصاف حول أهم إنجازات حماس ممثلة بحكومتها وكتائبها وتنظيمها فلن يسعنا المقام فضلاً عن الحديث عن حماس ومنهجها وتضحية أبنائها قادة وجنداً من أجل هذا المنهج السماوي, لكن نستطيع أن نضع نصب أعيننا أهم الإنجازات التي أعتقد بأن أعظم الدول وأعتاها جيوشا وبأساً لم تحقق جزءاً ولو بسيطاً مما سنذكر لاحقاً بعد أن استأذنك عزيزي القارئ بأن تمنحني بعضاً من وقتك الثمين لأقص عليك ما عندي وهو كالتالي:

 

حماس سياسياً وعسكرياً لم تتنازل عن أيٍ من الثوابت, فهي لم تبيع قضية الأسرى بل كانت صفقة وفاء الاحرار الصفعة المهينة للمحتل المتعجرف, وهي لم تفاوض على القدس وتعتبرها قدسان شرقية وغربية فالقدس واحدة فقط فصاروخ الـM75دك مدينة القدس ولم يتردد أيدك الشرقية أم الغربية؟, ولم تتنازل عن أي شبر من فلسطين من بحرها لنهرها فالقدس مثل صفد ولا تنازل.

الأجهزة الامنية التابعة لحكومة حماس قضت على ورم سرطاني خبيث يسمى بالمشاكل العائلية التي كانت تلتهم أرواح الشباب ولا نجد من يوقف بغي العناصر الباغية, وبالتالي اختفاء المافيات المعربدة باسم بعض العائلات.

 

القضاء على ظاهرة "الزعرنة" وحمل السلاح في الشوارع للعربدة باسم دكاكين بعض التنظيمات.

استعادة هيبة رجل الشرطة والمؤسسات الحكومية, فبعد أن كان شرطي المرور يغض البصر عن بعض السيارات المخالفة خوفاً من القتل –نعم القتل- أصبح الآن يمارس دوره الطبيعي مستنداً على مؤسسة أمنية قوية منحته ثقتها, وأصبح المسؤول الامني لا يخشى في الله لومة لائم بعد أن كان من قبله يُوضَع رأسه في المرحاض من قبل مجموعة مسلحة تابعة لمسؤول أمني اخر.

انتهاء عهد ابتزاز النساء والفتيات ومساومتهن على أعراضهن مقابل وظيفة أو حتى الإفراج عن ابنها أو زوجها المسجون ظلماً لأن مسؤول أمني كبير وسكير غضب عليه.

 

انهيار مؤسسة العمالة والعملاء للقضاء على بيئتهم وعدم وجود سلطة بها بعض الرموز المحسوبة من الصف الأول تحميهم وترعاهم كما كان في الأيام الخوالي.

 

الوقوف درعاً تأمينياً حامياً للمقاومة وهذا ما لمسناه خلال أسر شاليط وحرب الفرقان وحجارة السجيل, فالأجهزة الأمنية الفلسطينية بامتياز كانت حامية لظهر المقاومة, بعكس من يلاحقها ويحاول وأدها حفاظاً على سلامة وأمن الكيان بل وإعادة جنوده "التائهين" لأمهاتهم بعد قتلهم لأطفالنا وأبنائنا, فلحدود غزة من يحميها سواء من التائهين أو الغادرين الذين إن تاهوا أو غدروا لن يعودوا كما كانوا.

 

كتائب القسام احتفظت بشاليط خمسة سنين في بقعة لا تكاد ترى على الخريطة متحدية المخابرات الأسطورية التي ترتجف من اسمها الدول العظمى والأنظمة الجبارة, ثم تخوض مفاوضات مشرفة بعزة وكبرياء استبدلت فيها شاليطهم بــ(1027) من الأسرى والأسيرات, وهذا كان ثمرة صمود المقاومة وصبرها وعدم تفريطها.

 

كتائب القسام تفرض قانون الردع والرعب زيادة وترد على اغتيال أحد قادتها ومنفذ صفقة وفاء الاحرار بقصف تل الربيع وتحطيم نظرية الأمن وتستهدف الكنيست وتكسر أنف كبرياءه وتقصف القدس ليرفع الأقصى رأسه باستقباله رسائل عز من رجال حملوا هم تحريره, وهنا نتساءل: هل تجرأت أي دولة او نظام مهما بلغت قوته وبأسه أن يلقن الكيان الغاصب درساً لن ينساه, بل ويطلب هدنة ويستجديها من المقاومة, فبعد أن كنا نحتفل بذكرى النكبات والنكسات أصبحنا بفضل الله ثم المقاومة نحتفل بالانتصارات بل أصبحنا نقول للكيان بكل ثقة وبملء الافواه "إن عدتم عدنا ثم الويل لكم إن جئنا".

 

في عهد حماس وحكومتها تخرج الآلاف من حفظة كتاب الله من جميع الفئات خصوصاً فئة الأطفال والشباب, أما في عهد بائد كانت المخيمات المشتركة بين الشباب الفلسطينيين والإسرائيليين بهدف نشر السلام المزعوم, والعديد من الأنشطة التي تندرج تحت حرية الفكر وما هي إلا لإفساد البلاد والعباد.

 

عزيزي القارئ لك أن تتخيل حالنا وعصابات الفلتان تصول وتجول في غزة التي أصبحت قبلة لعشاق الحرية والعزة والكرامة, لك أن تتخيل حال المقاومة وهناك خفافيش وضباع لئيمة تتربص بها الدوائر لتشي بها وبأماكنها وبخططها كما يحدث مع المجاهدين بالضفة, لكن ذلك لن يكون طالما حافظنا على منجزاتنا ومقدراتنا ومقاومتنا الباسلة التي رسمت لنا طريق عزتنا ودفعت الثمن من دماء القادة العظماء الذين خرجوا من رحم شعب احتضنهم وعرف صدقهم, فشتان بين من كان منهجه المقاوم مستمد من عقيدتنا وبين من كان منهجه مستوردا من سلة مهملات الرعاة الرسميين للكيان الصهيوني, وشتان بين صحة المنهج ووجود بعض الممارسات الفردية الخاطئة وبين بطلان وفساد المنهج المتنازل حتى لو وفر لنا الرفاهية ورغد العيش.

 

وختاماً, هناك من يقول لقد تعبنا وجعنا وأنهكنا الفقر والحصار, لكن الله جل في علاه يجيبهم بقوله: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" (البقرة/ 155 – 157)

 

 وهنا أسأل سؤالاً: هل توجد ولادة بلا ألم ومخاض وهل يوجد نصر وتمكين بلا محن وتمحيص وهل تأتي المنح إلا بعد المِحَن؟؟ لك الجواب عزيزي القارئ وكذلك القرار وما يترتب على قرارك فالعاقل من يدرس الماضي ويعي الحاضر ويقرأ المستقبل ثم يحدد معالم مستقبله.