1- في فعّالية الأمم.
ضرب الله لنا في القرآن مثلاً على انعدام الفعالية الفردية في الصورة التالية في سورة النحل، إذ قال: «ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون» 75
وأعقبه مباشرة بالمثل التالي يجلي الحقيقة ذاتها من انعدام الفعالية ربما بصورة أشد: «وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم» 76
وما ينطبق على فعالية الأفراد ينطبق على فعالية الأمم فليس الأمر قصراً على الأفراد.
ولاحظ أولاً أين جاء هذان المثلان المتعاقبان: في سورة النحل. والنحل مثال الفعالية، والعمل الجمعي، والإبداع والنظام والنظافة والإحسان والإتقان وهي أرقى مملكة وتديرها أنثى هي ملكة النحل. وليس للذكر أي دور وهو المثل الذي يضربه عرفات دائماً لنفسه أنهم يريدونه ومنظمته بلا دور «مثل دكر النحل» بالدال لا بالذال حسب لهجته المصرية. والعجيب أن تتضمن السورة الإشارة إلى ثقافة العرب الجاهلية بالتمييز ضد الأنثى في السورة المتحدثة عن مملكة النحل التي تديرها الأنثى فتقول: «وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون» النحل58-59.
أما جو هذه السورة فيكفي أن نستحضر آية: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان..» 90 ونستحضر «من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة..»97 وحتى لا نطيل نقول إن سورة النحل أكثر سورة في القرآن ذكرت الإحسان، لأنها سورة الإحسان، وأحسن من يقوم بعمله بإتقان وإحسان هو النحل حتى قال أحد العلماء: لو هبط علينا من كوكب آخر شخص فقال: أروني أعجب ما في الأرض لأريته مملكة النحل. ولا نحتاج أن نذكر بقصيدة شوقي في هذا الصدد في مملكة النحل وتنظيمها وفعاليتها.
ولكن نختم حديثنا عن جو السورة بمثال هو قمة الفعالية، ذلكم هو أبو الأنبياء إبراهيم، إذ قالت السورة: «إن إبراهيم كان أمة..» إنه فرد بأمة ورب أمة لا مساوي فرداً ولا فردة.
ثم أمرت السورة بالدعوة إلى الله بعد أن ذكرت أعداءنا أصحاب السبت وأمرت بالصبر وكانت آية الختام: «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون».
ثم جاءت بعدها سورة الإسراء والحديث عن بني إسرائيل.. أخطر الأعداء.. فما تعلمناه من فعالية في سورة النحل يجب أن نطبقه في صراعنا مع بني إسرائيل الذي حدثتنا عنه سورة الإسراء فتأمل!
أعلم أني استطردت عن الموضوع، لكني أحب أن نتعلم دائماً منهجية القرآن وأنساق القرآن!
نعود إلى الموضوع: كيف استطاع خمسة ملايين يهودي هم عديد أنفار دولة البغي والعدوان أن يسيطروا على العالم العربي ويخترقوا كل دولة أمنياً، ويجعلوا جملة العالم العربي حراساً لهم؟ كيف يتحكمون في دول العالم وصنع القرار في العالم؟ كيف يقف أمامهم أمة الألف وخمسمئة مليون عاجزة تدعي الضعف وانعدام القدرة وقلة الحيلة؟ كيف يديرون قارة إفريقيا وينهبون ثرواتها؟ ومئة كيف أخرى بقيت ونكتفي بما قيل.
ودولنا العظيمة كيف تُمتهن كرامة الأسرى والمسرى وهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً؟ ولماذا تطالبون منا أعلى المطالب ولا تلبون لنا أقل المطالب؟ لماذا تطالبوننا بأن ننصركم في مسائلكم ولا نجدكم في واحدة من احتياجاتنا ومسائلنا؟ هل لمن لا يستطيع نصرة الأقصى في الأعناق أي استحقاق؟ وعلى ماذا؟
2-دولة الإرهاب والبغي.. والأسرى والمسرى.
هل تتصورون أن عدد من دخل المعتقلات من الشعب الفلسطيني كما نشرت «هاآرتس» ونقلت جرائدنا يوم الجمعة الأول من آذار، أنه بلغ (800) ألف (ثمانمئة ألف حتى لا نخطئ في الرقم) معتقل هذا بحسبهم لا بحسبنا نحن. هل تتصورون أو تتوقعون؟ بمعنى أننا إذا استبعدنا الأطفال وكبار السن وأصحاب الاحتياجات والنساء فإن نسبة هذا الرقم تتجاوز نصف شباب الشعب الفلسطيني.
أيّ دولة في العالم تعتقل نصف شباب شعب احتلت بلده؟ وأي أمة تسكت على هذا الإجرام الفظيع ما لم تكن أمة كأنها قطيع؟ وإذا كانت الأنظمة عاجزة في كل أمر وكل جانب من السياسة إلى الاقتصاد إلى الإدارة إلى مواجهة الأزمات ففيم هي؟ وإذا لم تكن ليوم كريهة وسداد ثغر فلأي شيء هي ولأي شيء تكون أو تُدخر؟
لماذا العدو يملك كل هذه القدرة على قلة عدده ولا نملك عشره على كثرة عديدنا، وأين الخلل؟ قد يقال إنها دولة تملك المال. أولسنا نملك المال فماذا انتفعت منه الأمة؟ أليس قد أصبح النفط نقمة علينا؟ ألم تهرب أغلب أرصدتنا وثرواتنا إلى الخارج؟ وإذا لم نتحرك لقضية وجودنا وعزتنا وكرامتنا أعني قضية المسرى والأسرى فمتى نتحرك؟ ووالله إن الهمم المتقاعسة عن نصرة الأقصى وهو يهدد بالتهويد لن تنصره إذا هدم أو هوّد. بل سيمنعون كل حركة احتجاج لنصرته بدعوى أن ما قد كان كان، وما ينفع الصياح الآن؟ فلا أنتم متحركون، لا والأقصى والمسرى مهدد، ولا، والأسرى يتساقطون واحداً بعد الآخر وما سمعنا لكم مجرد صوت. فلماذا والعجز يلفكم تريدون أن نعاملكم معاملة القادرين المقتدرين بل إن بعضكم يتأله ويتفرعن.
أما ترى إلى بشار الذي ما أطلق قذيفة على العدو لا في عهده ولا في عهد المحفور له والده يدمر سوريا ولن يبقى فيها صاروخاً في مستودع ولا طائرة في مهجع، ولا حجراً على حجر يرتفع.. وشعاره وشعار عصابته: الأسد للأبد. وإما الأسد أو خراب البلد. فإذا لم تكونوا لمواجهة العدو ولا لنهضة اقتصادية فعلام الأبد؟ ولماذا تستمرون أو تتسمرون في أماكنكم أو كراسيكم إلى الأبد؟
3-وبعد.
فإن المسرى في الأسر والأسرى رهن القيد والأسر. وأن الأسرى هم من يسْرون بالأمة من ليل العبودية والقهر والاحتلال والاختلال والظلم إلى آفاق الحرية والكرامة والعزة والنصر. ومن لا يعمل على تحرير المسرى والأسرى فليس حراً.
يا أمتنا. هذان العزيزان قضيتنا. لحريتهما يجب أن نعمل ونجهد ونجاهد ونجتهد ونفكر وندبر ونقدر ونخطط ونبتكر.
إن أمة أنجبت الصديق بعد رسول الله والفاروق أمة معطاء عظيمة. وأن أمة خالد وسعد وعمرو بن العاص وصلاح الدين لا تعجز أن تجترح من الإبداعات في مقاومة المحتل ما يجعله يرضخ لشروطها.
يجب أن يحسب العالم كله لا هذا العدو القميء فقط لأمتنا ألف حساب. يا معشر الشباب وأنتم عليكم المعوّل، وأنتم الأمل. لا يشغلنكم عن قضايا أمتكم شاغل وأنتم تكبرون بمقدار ما تتبنون قضايا أوطانكم وقضايا دينكم وأمتكم. وتصغرون بمقدار ما تنكفئون على ذواتكم وملذاتكم ودنياكم. أما أنت يا أيها العالم الغربي المنحاز فلن يخرج عن انحيازك إلا الوسائل التي تفهمها.
وأما العدو اليهودي الصهيوني المجرم فأيامك باتت معدودة والأمة التي اقتلعت نبتاً خبيثاً من قبل هو الصليبيين ستقتلع نبتة خبيثة أخرى هي دولة المارقين المجرمين. ولمثل هذا اليوم فليعمل العاملون.
والحديث موصول.


