الأسرى القابعون في سجون الاحتلال الصهيوني بمثابة جُرح لا يكاد يندمل حتى يُفتح من جديد كلما ضغط الاحتلال بمختلف وسائله القذرة عليه، ومع ضغط الاحتلال لا يجد الأسرى الأبطال سوى التلويح بالمواجهة، وأبرز تجلياتها الإضراب عن الطعام. في الماضي كانت سلطات سجون الاحتلال ترضخ لمطالب الأسرى بمجرد تلويحهم بمعركة الأمعاء الخاوية، غير أنها غيرت من سياستها هذه الأيام وبدت غير معنية كثيرا إن أضرب سامر العيساوي وأيمن الشروانة أو غيرهم لمئات الأيام، بل ولن ترمش لها عين إن استيقظنا ذات يوم على نبأ يتحدث عن ارتقائهم مضربين عن الطعام بينما المسلمون لا يستطيعون النوم لكثرة ما يستقر في بطونهم مما لذ وطاب من طعام يُرهقهم ويمنعهم من المقدرة على النُطق مطالبة بالتخفيف من معاناة الأسرى.
صحيح أن التفاعل مع قضية الأسرى ومعاناتهم في سجون الاحتلال أفضل كثيرا هذه الأيام من سنوات مضت من قبل مختلف الشرائح الفلسطينية الشعبية والرسمية، غير أن “الموسمية” التي تعتري التفاعل مع هذه القضية الهامة للشعب الفلسطيني يشكل مثلبا ينبغي أن ينتهي من خلال التغيير في سُبل الدعم والتضامن مع الأسرى.
يتضح جيدا أن الأساليب التي تستخدمها مختلف الأطراف الفلسطينية في دعم قضية الأسرى هي هي تتكرر باستمرار بشكل جعلها رتيبة ولا تجد صدى لدى الجمهور، هذا عدا أن البعض من هذه الفعاليات بات يوجه ضربات قاسية للأسرى، فعلى سبيل المثال: لا يمكن الجزم جيدا بأعداد الأسرى المعتقلين لدى الاحتلال وكل مؤسسة أو وزارة تمتلك عددا يختلف عن الأخرى، وبذلك نكون قد فشلنا في معركة الأرقام أمام المؤسسات الدولية، وهذا بالتأكيد مثال واحد من مئات الأمثلة.
الاعتصام في مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أسبوعيا من قبل ذوي الأسرى واقتصار حالة الدعم للأسرى بهذا الشكل لا يتخطى حدود الصليب الأحمر، بل إن الكثير من الصحفيين بات لا يجد له قصة عن الأسرى يعود بها إلى وسيلته الإعلامية من كثرة التكرار.
شاهدنا جيدا قبيل صفقة “وفاء الأحرار” كيف أن اسم الجندي الصهيوني القاتل “جلعاد شاليط” جاب الدنيا طولا وعرضا وبات ملايين البشر يحفظون اسمه عن ظهر قلب، هذا وهو الجندي القاتل!! أما أسرانا فلو أننا سرنا في الشارع أو المدرسة والجامعة وسألنا عن أسماء عشرة منهم ربما لن نجد الكثير يحفظ عشرة أسماء وسبب اعتقالهم، وهذا أبرز فشل لمؤسساتنا في دفاعها عن قضية الأسرى.
إن المطلوب منا جميعا كفلسطينيين التوقف عن الهتافات للأسرى بالصورة القديمة والبحث عن أساليب أخرى نستطيع من خلالها الولوج لكل بيت فلسطيني ونلامس أفئدة طلبتنا في المدارس والجامعات، نجعلهم يحفظوا أسماء أسرانا وأعدادهم والتهم الموجهة لهم. ينبغي أن يُدرك كل فلسطيني أن ذلك الأسير الذي يحرمه الاحتلال من أبنائه وأهله ويجعله يضحي بحريته لسنوات طويلة، بل ولعقود من الزمن إنما هو يضحي في سبيل ذلك لأجلي وأجلك، لأجل أن تحيا فلسطين وأهلها بحرية وعزة وكرامة.
إنني ومن موقعي أقترح ضرورة أن يتم تخصيص حصة أسبوعيا في المدارس للحديث عن الأسرى ومعاناتهم وبطولاتهم لطلبة المدارس، كما أقترح أن نملأ شوارع الوطن بصورهم وأسمائهم، بل وأقترح أن نعزز من تواجدهم في المجتمع بواسطة الدراما والفن وغيرها من الوسائل، وحبذا أن ننشر صورهم في كافة المرافق الخاصة والعامة. حتما ستنتقل صورتهم إلى العالم لو أن المسئول الفلسطيني انتقلت صورته للعالم بينما في خلفيته وعلى مكتبه صورة ومجسما للأسرى في سجون الاحتلال.
إن العمل من أجل الأسرى يحتاج كل جُهد فلسطيني ممكن، فما دام الأسرى يضحون من أجلنا فواجبنا أن نحفظ الأمانة التي أورثونا إياها، أبناؤهم وأهلهم يعيشون لوعة الحرمان فلا ينبغي أن نتركهم للزمن يفعل فعلته فيهم. وفي سبيل تعزيز الحضور الدائم للأسرى بعيدا عن العمل الموسمي من الواجب علينا إبعاد المتسلقين على قضية الأسرى عن بؤرة الاهتمام.
إذا كانت قضية الأسرى تعتبر بمثابة أبرز الثوابت الوطنية لنا وتحتل المكانة الرفيعة في أجندتنا الوطنية، فهذه قضية بحاجة إلى دفع ضريبتها، والسؤال الأهم: هل نحن جاهزون لدفع الضريبة؟ أم أننا مجرد متسلقين لقضية الأسرى لإبراز ذواتنا على حساب معاناتهم؟.

