(التطرف) و(الإرهاب) و(الأصولية) مصطلحات لا يكاد يجمع المختصون على تحديد مفاهيم لها. ولكن السياسة الغربية والإعلام الغربي والأمريكي والصهيوني يجمعون على إلصاقها بالجماعات الإسلامية.
إنه بتكرير استخدامها في السياسة وفي الإعلام صفة للجماعات الإسلامية كـ(القاعدة-وأنصار الشريعة- والسلفية الجهادية في المغرب العربي- وجماعة التوحيد والشريعة)، صارت كالمسلمات في الإعلام العربي كـ(العربية- والجزيرة- والفضائيات الرسمية). وهذا الأمر يحتاج إلى تحرير يزيل العتمة، ويرفع الظلم، ويكشف اللبس.
التطرف والإرهاب صفتان لكل عدوان عنيف ضد الآخرين بلا مبررات كافية أو موجبة لأعمال عنيفة. والعدوان العنيف ليس صفة حصرية بالجماعات الإسلامية المذكورة. العدوان هو صفة تاريخية تستغرق تاريخ الاستعمار الأوروبي، وبالذات البريطاني والفرنسي للعالم العربي والإسلامي، وهو عدوان متطرف وما تزال آثاره ماثلة حتى الآن في جل البلاد التي تحررت من الاستعمار.
قد يقبل بعض المتابعين للشأن العام بعض ما يصف به الغرب القاعدة وغيرها من الجماعات الجهادية، ولكن أليس الاستعمار التقليدي والتاريخي هو أصل التطرف والإرهاب، وهو بدايته التاريخية. ثم ماذا نسمي الآن العدوان الفرنسي على مالي وقتل الجماعات الإسلامية المالية وغير المالية، وقتل المدنيين الماليين، وتهجير الآلاف منهم من مساكنهم؟! (95% من سكان مالي مسلمون) يقولون عن مالي هي منطقة نفوذ تقليدي لفرنسا، وكأن استعمار فرنسا القديم لمالي والمغرب العربي يعطيها الحق في العودة إلى مالي، وتحديد نوع نظام الحكم فيها تحت مبرر الحفاظ على مصالح فرنسا، ومن ثم تترجم فرنسا (المحافظة على مصالحها) بمقاومة الإرهاب والتطرف. وهنا يصير معنى التطرف والإرهاب ليس العدوان، وإنما المصالح، وبهذا تكون فرنسا عي المعتدية وهي المتطرفة، وما يصدر عنها هو عمل إرهابي تمامًا كما يقال عن أمريكا في أفغانستان، وفي العراق، وكما يقال عن (إسرائيل) في فلسطين.
أعمال فرنسا، وبريطانيا، وأمريكا، و(إسرائيل)، له ظاهر إعلامي مخادع اسمه (مكافحة الإرهاب والتطرف) وله باطن حقيقي هو المصالح على اختلاف أشكالها من نفط، ومال، ومناجم، ومناطق نفوذ، واستراتيجيات أمنية.
والمؤسف هنا في تحرير المصطلح أمران: الأول/ أن الإعلام العربي يكرر كالببغاء ما يقوله الغرب دون تنقية، ودون تحرير، لأن خصومة الأنظمة العربية مع الجماعات الإسلامية لا تقل فسادًا عن خصومة الغرب معها. والثاني/ أن بعض ردود أفعال الجماعات الإسلامية غير المدروسة تعطي مبررا للغرب القوي والمتنفذ أن يلصق الإرهاب بهذه الجماعات.
يبدو في منطق القوة العلمية، والقوة العسكرية أن من يستخدم طائرات F16، أو الميراج الفرنسية، أو طائرات الاستطلاع، والصواريخ الذكية، والقنابل المتطورة، وهي عناصر تحتكرها أمريكا ودول الغرب، لا يعد إرهابًا أو تطرفًا، بينما من يستخدم الرشاش الخفيف، والبارود القديم، يعد إرهابيًا ومتطرفا، ونحن إذا قمنا بعمل إحصائي لمن قتلتهم أمريكا في أفغانستان أو في العراق من المدنيين فقط، ومن قتلتهم فرنسا من مدنيين في مالي لوجدنا فارقًا هائلًا في العدد والإحصاء بين ما قتلته الجماعات الإسلامية المسلحة، وما قتلته فرنسا وأمريكا. من يقتل القليل إرهابي متطرف، ومن يقتل الكثير ليس كذلك، وعادة تكون القلة مع الغرب الأبيض صاحب العيون الزرقاء، وتكون الكثرة مع الإسلاميين من ذوي البشرة العربية والإفريقية. لذا نطلب بتحرير المصطلح، ونطلب قتل الببغاء.
